استدلالنا في الماء الكثير
* واحتج أصحابنا من جهة الاعتبار
والاستدلال باشيا أَحَدُهَا وَهُوَ الْعُمْدَةُ عَلَى مَا قَالَهُ
الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ أَنَّ الْأُصُولَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ
النَّجَاسَةَ إذَا صَعُبَتْ إزَالَتُهَا وَشَقَّ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا
عُفِيَ عَنْهَا كَدَمِ الْبَرَاغِيثِ وَمَوْضِعِ النَّجْوِ وَسَلَسِ
الْبَوْلِ وَالِاسْتِحَاضَةِ وَإِذَا لَمْ يَشُقَّ الِاحْتِرَازُ لَمْ
يُعْفَ كَغَيْرِ الدَّمِ مِنْ النَّجَاسَاتِ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ قليل الماء
لا يشق حفظه فكثيره يَشُقُّ فَعُفِيَ عَمَّا شَقَّ دُونَ غَيْرِهِ
وَضَبَطَ الشَّرْعُ حَدَّ الْقُلَّةِ بِقُلَّتَيْنِ فَتَعَيَّنَ
اعْتِمَادُهُ وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ بَلَغَهُ الْحَدِيثُ الْعُدُولُ عَنْهُ:
قَالَ أَصْحَابُنَا وَلِهَذَا يَنْجُسُ الْمَائِعُ وَإِنْ كَثُرَ
بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ لِأَنَّهُ لَا مَشَقَّةَ فِي حِفْظِهِ
وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِهِ وَذَكَرُوا دَلَائِلَ كَثِيرَةً وَفِيمَا
ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ: وَالْجَوَابُ عَمَّا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ حَدِيثِ
لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ
مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ عَامٌّ مخصوص بحديث القلتين: والثاني
وهو الا ظهر أَنَّهُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ فَيُكْرَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً
وَلَا يَحْرُمُ: وَسَبَبُ الْكَرَاهَةِ الِاسْتِقْذَارُ لَا النَّجَاسَةُ
وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى كَثْرَةِ الْبَوْلِ وَتَغَيُّرِ الْمَاءِ بِهِ:
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّ زِنْجِيًّا مَاتَ فِي زَمْزَمَ فَنَزَحَهَا ابْنُ
عَبَّاسٍ فَجَوَابُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَجَابَ بِهَا
الشَّافِعِيُّ ثُمَّ الْأَصْحَابُ أَحْسَنُهَا أَنَّ هَذَا الَّذِي
زَعَمُوهُ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ لَقِيتُ جَمَاعَةً
مِنْ شُيُوخِ مَكَّةَ فَسَأَلْتُهُمْ عَنْ هَذَا فَقَالُوا مَا سَمِعْنَا
هَذَا: وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ
إمَامِ أَهْلِ مَكَّةَ قَالَ إنَّا بِمَكَّةَ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً لَمْ
أَرَ أَحَدًا لَا صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا يَعْرِفُ حَدِيثَ الزِّنْجِيِّ
الَّذِي يَقُولُونَهُ وَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَقُولُ نُزِحَتْ زَمْزَمُ:
فَهَذَا سُفْيَانُ كَبِيرُ أَهْلِ مَكَّةَ قَدْ لَقِيَ خَلَائِقَ مِنْ
أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَمِعَهُمْ فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ بَعْدَ هَذَا
صِحَّةُ
هَذِهِ الْقَضِيَّةِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا إذَا وَقَعَتْ أَنْ تَشِيعَ
فِي النَّاسِ لَا سِيَّمَا أَهْلُ مَكَّةَ لَا سِيَّمَا أَصْحَابُ ابن
عَبَّاسٍ وَحَاضِرُوهَا وَكَيْفَ يَصِلُ هَذَا إلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ
وَيَجْهَلُهُ أَهْلُ مَكَّةَ: وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ هَذَا عَنْ
ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَوْجُهٍ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا:
الثَّانِي لَوْ صَحَّ لَحُمِلَ عَلَى أَنَّ دَمَهُ غَلَبَ عَلَى الْمَاءِ
فَغَيَّرَهُ: الثَّالِثُ فَعَلَهُ اسْتِحْبَابًا وَتَنَظُّفًا فَإِنَّ
النَّفْسَ تَعَافُهُ وَالْمَشْهُورُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمَاءَ
لَا يَتَنَجَّسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ
وَغَيْرُهُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ: وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى
الْمَائِعِ فَجَوَابُهُ مِنْ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ قِيَاسٌ يُخَالِفُ
السُّنَّةَ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ: (الثَّانِي) أَنَّهُ لَا يَشُقُّ
حِفْظُ الْمَائِعِ وَإِنْ كَثُرَ بَلْ الْعَادَةُ حِفْظُهُ وَقَدْ سَبَقَ
بَيَانُ هَذَا: (الثَّالِثُ) أَنَّ لِلْمَاءِ قُوَّةً فِي دَفْعِ النَّجَسِ
بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَتَحَرَّكُ طَرَفُهُ
الْآخَرُ بِخِلَافِ الْمَائِعِ: (الرَّابِعُ) لِلْمَاءِ قُوَّةُ رَفْعِ
الْحَدَثِ فَكَذَا لَهُ دَفْعُ النَّجَسِ بِخِلَافِ الْمَائِعِ: وَأَمَّا
قِيَاسُهُمْ عَلَى الْمَاءِ الْقَلِيلِ فَجَوَابُهُ ظَاهِرٌ مِمَّا
ذَكَرْنَاهُ: قَالَ أَصْحَابُنَا اعْتَبَرُوا حَدًّا وَاعْتَبَرْنَا حَدًّا
وَحَدُّنَا مَا حَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه الَّذِي أَوْجَبَ
اللَّهُ تَعَالَى طَاعَتَهُ وَحَرَّمَ مُخَالَفَتَهُ: وَحَدُّهُمْ
مُخَالِفٌ حَدَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَنَّهُ حَدٌّ
بِمَا لَا أَصْلَ لَهُ وَهُوَ أَيْضًا حَدٌّ لَا ضَبْطَ فِيهِ فَإِنَّهُ
يَخْتَلِفُ بِضِيقِ مَوْضِعِ الْمَاءِ وَسَعَتِهِ وَقَدْ يَضِيقُ مَوْضِعُ
الْمَاءِ الْكَثِيرِ لِعُمْقِهِ وَيَتَّسِعُ مَوْضِعُ الْقَلِيلِ لِعَدَمِ
عُمْقِهِ فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَبِي
حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ(المجموع 1/116-117)
No comments:
Post a Comment