Saturday, 24 September 2016

هل يجوز رفع الحدث وازالة النجاسة من المائعات؟

قال المصنف(صاحب المهذب) رحمه الله (وَمَا سِوَى الْمَاءِ الْمُطْلَقِ مِنْ الْمَائِعَاتِ كَالْخَلِّ وماء الورد والنبيذ وما اعتصر من التمر أَوْ الشَّجَرِ لَا يَجُوزُ رَفْعُ الْحَدَثِ وَلَا إزَالَةُ النَّجَسِ بِهِ

وَالِاسْتِدْلَالُ مِنْ الْآيَةِ(1) وَالْحَدِيثِ(2) لَيْسَ بِالْمَفْهُومِ بَلْ أَمْرٌ بِالتَّيَمُّمِ وَالْغُسْلِ بِالْمَاءِ فَمَنْ غَسَلَ بِمَائِعٍ فَقَدْ تَرَكَ الْمَأْمُورَ بِهِ: وَأَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّ رَفْعَ الْحَدَثِ وَإِزَالَةَ النَّجَسِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ فَهُوَ مَذْهَبُنَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى
وَأَبِي بَكْرٍ الْأَصَمِّ أَنَّهُ يَجُوزُ رَفْعُ الْحَدَثِ وَإِزَالَةُ النَّجَسِ بِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ إلَّا الدَّمْعَ فَإِنَّ الْأَصَمَّ يُوَافِقُ عَلَى مَنْعِ الْوُضُوءِ بِهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ عَلَى شَرْطٍ سَأَذْكُرُهُ فِي فَرْعٍ مُسْتَقِلٍّ وَأَذْكُرُ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ فِي فَرْعٍ آخَرَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَاحْتُجَّ لِابْنِ أَبِي لَيْلَى بِأَنَّهُ مَائِعٌ طَاهِرٌ فَأَشْبَهَ الْمَاءَ وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِالْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَبِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَانُوا يَعْدَمُونَ الْمَاءَ فِي أَسْفَارِهِمْ وَمَعَهُمْ الدُّهْنُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَائِعَاتِ وَمَا نُقِلَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ الْوُضُوءُ بِغَيْرِ مَاءٍ وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْمَاءِ فَإِنَّ الْمَاءَ جَمَعَ اللَّطَافَةَ وَعَدَمَ التَّرْكِيبِ مِنْ أَجْزَاءٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ غَيْرُهُ: وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيطِ طَهَارَةُ الْحَدَثِ مَخْصُوصَةٌ بالماء بالاجماع فمحصول عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ قَوْلُ ابْنِ أَبِي ليلى ان صح عنه وأما الاصم لا يعتد بخلافه: وقد أضحت حَالَ الْأَصَمِّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ: وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْأَشْرَافِ وَكِتَابِ الْإِجْمَاعِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِمَاءِ الْوَرْدِ وَالشَّجَرِ وَالْعُصْفُرِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ وَهَذَا يُوَافِقُ نَقْلَ الْغَزَالِيِّ (المجموع 1/93)

(فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ لَا تَجُوزُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ إلَّا بِالْمَاءِ فَلَا تَجُوزُ بِخَلٍّ وَلَا بِمَائِعٍ آخَرَ: وَمِمَّنْ نُقِلَ هَذَا عَنْهُ مَالِكٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وزفر واسحق بْنُ رَاهْوَيْهِ وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَدَاوُد يَجُوزُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ مِنْ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ بِكُلِّ مَائِعٍ يَسِيلُ إذَا غُسِلَ بِهِ ثُمَّ عُصِرَ كَالْخَلِّ وَمَاءِ الْوَرْدِ: وَلَا يَجُوزُ بِدُهْنٍ وَمَرَقٍ: وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَةٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْبَدَنِ بِغَيْرِ الْمَاءِ.
دلائل مناجاز ازالة النجاسة بِكُلِّ مَائِعٍ يَسِيلُ
* وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رضى الله عنها قالت ما كان لا حدانا إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ فَإِذَا أَصَابَهُ شئ مِنْ دَمٍ قَالَتْ بِرِيقِهَا فَمَصَعَتْهُ بِظُفْرِهَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمَصَعَتْهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالصَّادِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ أَذْهَبَتْهُ: وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرَأَةٌ أُطِيلُ ذَيْلِي فَأَجُرُّهُ عَلَى الْمَكَانِ الْقَذِرِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ: وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ أَنَّهَا طَهَارَةٌ بِغَيْرِ الْمَاءِ فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ: وَبِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ:
وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ بِنَعْلِهِ الْأَذَى فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: وَالدَّلَالَةُ مِنْ هذين كبى مِمَّا قَبْلَهُمَا: وَذَكَرُوا أَحَادِيثَ لَا دَلَالَةَ فِيهَا كَحَدِيثِ إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فاغسلوه وبأى شئ غَسَلَهُ سُمِّيَ غَاسِلًا: قَالُوا وَلِأَنَّهُ مَائِعٌطَاهِرٌ فَأَشْبَهَ الْمَاءَ: وَلِأَنَّهَا عَيْنٌ تَجِبُ إزَالَتُهَا لِلْعِبَادَةِ فَجَازَ بِغَيْرِ الْمَاءِ كَالطِّيبِ عَنْ ثَوْبِ الْمُحْرِمِ وَهَذَا يَعْتَمِدُونَهُ: وَلِأَنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ النَّجَاسَةِ فَزَالَ بِزَوَالِهَا: وَلِأَنَّ الْمُرَادَ إزَالَةُ الْعَيْنِ وَالْخَلُّ أَبْلَغُ وَلِأَنَّ الْخَمْرَ إذَا انْقَلَبَتْ خَلًّا طَهُرَتْ وَطَهُرَ الدَّنُّ وَمَا طَهُرَ إلَّا بِالْخَلِّ: وَلِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ فَلَا يَتَعَيَّنُ لَهَا الْمَاءُ كَنَجَاسَةِ النَّجْوِ: وَلِأَنَّ الْهِرَّةَ لَوْ أَكَلَتْ فَأْرَةً ثُمَّ وَلَغَتْ فِي إنَاءٍ لَمْ تُنَجِّسْهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ رِيقَهَا طَهَّرَ فَمَهَا.
دلائل الجمهور
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) فَذَكَرَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى امْتِنَانًا فَلَوْ حَصَلَ بِغَيْرِهِ لَمْ يَحْصُلْ الِامْتِنَانُ: وَبِحَدِيثِ أَسْمَاءَ الْمَذْكُورِ وَتَقَدَّمَ بَيَانُ وَجْهِ الدَّلَالَةِ: وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ الْمَاءِ وَنُقِلَ إزَالَتُهَا بِالْمَاءِ وَلَمْ يَثْبُتْ صَرِيحٌ فِي إزَالَتِهَا بِغَيْرِهِ فَوَجَبَ اخْتِصَاصُهُ إذْ لَوْ جَازَ بِغَيْرِهِ لَبَيَّنَهُ مَرَّةً فَأَكْثَرَ لِيُعْلَمَ جَوَازُهُ كَمَا فَعَلَ فِي غَيْرِهِ: وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ شَرْعِيَّةٌ فَلَمْ تَجُزْ بِالْخَلِّ كَالْوُضُوءِ: وَلِأَنَّ حُكْمَ النَّجَاسَةِ أَغْلَظُ مِنْ حُكْمِ الْحَدَثِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ عَنْ الْحَدَثِ دُونَهَا وَلَوْ وَجَدَ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِ لِأَحَدِهِمَا غَسَلَهَا وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي النَّجَاسَةِ نَجَسٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَذَا عِنْدَنَا إنْ انْفَصَلَ وَلَمْ يَطْهُرْ الْمَحَلُّ عَلَى الْأَظْهَرِ وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي الْحَدَثِ طَاهِرٌ عِنْدَنَا وَكَذَا عَلَى الْأَصَحِّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِذَا لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ بِغَيْرِ الْمَاءِ فَالنَّجَاسَةُ الَّتِي هِيَ أَغْلَظُ أَوْلَى.
الاجوبة عن ادلة من اجاز ازالة النجاسة بكل مائع

* وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ أَدِلَّتِهِمْ فَحَدِيثُ عَائِشَةَ أَجَابَ عَنْهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الدَّمِ الْيَسِيرِ لَا تَجِبُ إزَالَتُهُ بل تصح الصلاة معه ويكون عفو أو لم تُرِدْ عَائِشَةُ غَسْلَهُ وَتَطْهِيرَهُ بِالرِّيقِ وَلِهَذَا لَمْ تَقُلْ كُنَّا نَغْسِلُهُ بِالرِّيقِ وَإِنَّمَا أَرَادَتْ إذْهَابَ صُورَتِهِ لِقُبْحِ مَنْظَرِهِ فَيَبْقَى الْمَحَلُّ نَجِسًا كَمَا كَانَ وَلَكِنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ لِقِلَّتِهِ: وَهَذَا الْجَوَابُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا يَكُونُ مَرْفُوعًا وَإِنْ لَمْ يُضِفْهُ إلَى زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا مَنْ اشْتَرَطَ الْإِضَافَةَ فَلَا يَكُونُ عنده مرفوعا بل يكون موقوفا ويجئ فِيهِ التَّفْصِيلُ فِي قَوْلِ الصَّحَابِيِّ هَلْ انْتَشَرَ أَمْ لَا وَهَلْ هُوَ حُجَّةٌ فِي الْحَالَيْنِ أَمْ لَا

* وَفِي كُلِّ هَذَا خِلَافٌ قَدَّمْنَاهُ وَاضِحًا فِي الْفُصُولِ السَّابِقَةِ فِي مُقَدِّمَةِ هَذَا الشَّرْحِ: وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ أُمَّ وَلَدِ إبْرَاهِيمَ مَجْهُولَةٌ وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَذَرِ نَجَاسَةٌ يَابِسَةٌ وَمَعْنَى يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ أَنَّهُ إذَا انْجَرَّ عَلَى مَا بَعْدَهُ مِنْ الْأَرْضِ ذَهَبَ مَا عَلِقَ بِهِ مِنْ الْيَابِسِ هَكَذَا أَجَابَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ في تعليقه ويدل علي التَّأْوِيلِ الْإِجْمَاعُ أَنَّهَا لَوْ جَرَّتْ ثَوْبَهَا عَلَى نَجَاسَةٍ رَطْبَةٍ فَأَصَابَتْهُ لَمْ يَطْهُرْ بِالْجَرِّ عَلَى مَكَان طَاهِرٍ وَكَذَا نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِي هَذَا أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ: وَنَقَلَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا التَّأْوِيلَ عَنْ آبَاءِ عَبْدِ اللَّهِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ: وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَلَنَا في الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ الْقَدِيمُ أَنَّ مَسْحَ أَسْفَلِ الْخُفِّ الذى لصقت به نجاسة كلف فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ نَجِسٌ عُفِيَ عَنْهُ وَالْجَدِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَافٍ فَعَلَى هَذَا الْجَوَابِ أَنَّ الْأَذَى الْمَذْكُورَ مَحْمُولٌ عَلَى مُسْتَقْذَرٍ طَاهِرٍ كَمُخَاطٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا هُوَ طَاهِرٌ أَوْ مَشْكُوكٌ فِيهِ: وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طُرُقٍ كُلِّهَا ضَعِيفَةٍ وَلَوْ صَحَّ لَأُجِيبَ عَنْهُ بِنَحْوِ مَا سَبَقَ: وَأَمَّا حَدِيثُ إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فَالْغَسْلُ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَسْلِ بِالْمَاءِ لِأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ الْمَعْهُودُ السَّابِقُ إلَى الْفَهْمِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ: قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يُعْرَفُ الْغَسْلُ فِي اللُّغَةِ بِغَيْرِ الْمَاءِ: وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْمَاءِ فَبَاطِلٌ لِأَنَّهُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ بِخِلَافِ الْمَائِعِ وَلِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِالدُّهْنِ وَالْمَرَقِ: وَقِيَاسُهُمْ عَلَى الطِّيبِ مَرْدُودٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ إزَالَةَ الطِّيبِ وَغَسْلَهُ لَيْسَ وَاجِبًا بَلْ الْوَاجِبُ إذْهَابُ رَائِحَتِهِ وَإِهْلَاكُهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ طَلَى عَلَيْهِ حين أَوْ غَسَلَهُ بِدُهْنٍ كَفَاهُ: وَالثَّانِي أَنَّ النَّجَاسَةَ بِطَهَارَةِ الْحَدَثِ أَشْبَهُ مِنْ إزَالَةِ الطِّيبِ فَإِلْحَاقُ طَهَارَةٍ بِطَهَارَةٍ أَوْلَى: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ الْحُكْمُ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ النَّجَاسَةِ فَزَالَ بِزَوَالِهَا فَلَيْسَ بِلَازِمٍ وَيُنْتَقَضُ بِلَحْمِ الْمَيْتَةِ إذَا وَقَعَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ فَيُنَجِّسُهُ وَإِذَا زَالَ لَا يَزُولُ التَّنْجِيسُ: وَقَوْلُهُمْ الْخَلُّ أَبْلَغُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِأَنَّ فِي الْمَاءِ لَطَافَةً وَرِقَّةً لَيْسَتْ فِي الْخَلِّ وَغَيْرِهِ وَلَوْ صَحَّ مَا قَالُوهُ لَكَانَ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِالْخَلِّ أَفْضَلَ وَأَجْمَعْنَا بِخِلَافِهِ: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ الدَّنُّ يَطْهُرُ بِالْخَلِّ فَغَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ يَطْهُرُ تَبَعًا لِلْخَلِّ لِلضَّرُورَةِ وَلَوْ كَانَ الْخَلُّ هُوَ الَّذِي طَهَّرَهُ لَنَجُسَ الْخَلُّ لِأَنَّ الْمَائِعَ إذَا أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ تَنْجُسُ عِنْدَهُمْ: وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُطَهِّرًا لَوَجَبَ أَنْ تَتَقَدَّمَ طَهَارَتُهُ فِي نَفْسِهِ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَطْهُرْ الْخَلُّ لِحُصُولِهِ فِي مَحَلٍّ نَجِسٍ.
 وَأَمَّا نَجَاسَةُ النَّجْوِ فَإِذَا اسْتَنْجَى بِالْأَحْجَارِ عُفِيَ عَمَّا بَقِيَ لِلضَّرُورَةِ وَهِيَ رُخْصَةٌ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهَا وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمَحَلَّ يبقى نجسا ولهذا لو انعمس فِي مَاءٍ قَلِيلٍ نَجَّسَهُ فَلَمْ تَحْصُلْ إزَالَةُ نَجَاسَةٍ بِغَيْرِ الْمَاءِ: وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْهِرَّةِ فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا مَذْكُورَةٍ بَعْدَ هَذَا فَإِنْ قُلْنَا بِطَهَارَةِ مَا وَلَغَتْ فِيهِ فَلَيْسَ هُوَ لِطَهَارَةِ فَمِهَا بِرِيقِهَا بَلْ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا فَعُفِيَ عَنْهَا كَأَثَرِ الِاسْتِنْجَاءِ: وَيَنْبَغِي لِلنَّاظِرِ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَنْ لَا يَسْأَمَ مِنْ طُولِ بَعْضِ الْمَسَائِلِ فَإِنَّهَا لَا تَطُولُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إلَّا بِفَوَائِدَ وَتَمْهِيدِ قَوَاعِدَ وَيَحْصُلُ فِي ضِمْنِ ذِكْرِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ وَدَلَائِلِهَا وَأَجْوِبَتِهَا فَوَائِدُ مُهِمَّةٌ نَفِيسَةٌ وَتَتَّضِحُ الْمُشْكِلَاتُ وَتَظْهَرُ الْمَذَاهِبُ الْمَرْجُوحَةُ مِنْ الرَّاجِحَةِ وَيَتَدَرَّبُ النَّاظِرُ فِيهَا بِالسُّؤَالِ وَالْجَوَابِ وَيَتَنَقَّحُ ذِهْنُهُ وَيَتَمَيَّزُ عِنْدَ أُولِي الْبَصَائِرِ وَالْأَلْبَابِ وَيَتَعَرَّفُ الْأَحَادِيثَ  الصَّحِيحَةَ مِنْ الضَّعِيفَةِ وَالدَّلَائِلَ الرَّاجِحَةَ مِنْ الْمَرْجُوحَةِ وَيَقْوَى لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تُظَنُّ مُتَعَارِضَاتٍ وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا إفْرَادُ نَادِرَاتٍ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.(المجموع 1/95-98)

-----------
(1) فَلَمْ تَجِدُوا ماء فتيمموا
(2) عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ(اي دم الحيض) فَقَالَ تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ: وَفِي رِوَايَةٍ فَلْتَقْرُصْهُ ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِمَاءٍ هَذَا لَفْظُهُ فِي الصَّحِيحِ

No comments:

Post a Comment