Thursday, 29 September 2016

هل تجوز الطهارة بالماء الذي استعمل في نفل الطهارة

 هل تجوز الطهارة بالماء الذي استعمل في نفل الطهارة

قال المصنف رحمه الله
"وَإِنْ اُسْتُعْمِلَ فِي نَفْلِ الطَّهَارَةِ كَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ والدفعة الثانية والثالثة فوجهان أَحَدُهُمَا لَا تَجُوزُ الطَّهَارَةُ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي طَهَارَةٍ فَهُوَ كَالْمُسْتَعْمَلِ فِي رَفْعِ حَدَثٍ، وَالثَّانِي يجوز لانه لَمْ يُرْفَعْ بِهِ حَدَثٌ وَلَا نَجِسٌ فَهُوَ كما لو غسل به ثوب طاهر۔" 
قال الامام النووي رحمه الله
الشَّرْحُ: الْوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ وَاتَّفَقَ الْجَمَاهِيرُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَعْمَلٍ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَقَطَعَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي كِتَابَيْهِ، قَالَ الشَّيْخُ أبو حامد وغيره الوجه الآخر غَلَطٌ وَشَذَّ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْأَصْحَابِ فَقَالَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ هَذَانِ الْوَجْهَانِ خَرَّجَهُمَا ابْنُ سُرَيْجٍ. قَالَ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ نَفْلِ الطَّهَارَةِ كَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ وَالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَسَائِرِ الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ وَمَاءِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ فِي الْغَسْلَةِ الرَّابِعَةِ لَيْسَ بِمُسْتَعْمَلٍ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَفْلٍ۔
 وَأَمَّا الْجُنُبُ إذَا اغْتَسَلَ بِمَاءٍ قَلِيلٍ فَالْمَرَّةُ الْأُولَى مُسْتَعْمَلَةٌ وَفِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ الْوَجْهَانِ لِأَنَّهُمَا نَفْلٌ۔ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لَيْسَتْ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ مُسْتَعْمَلَتَيْنِ قَطْعًا لِأَنَّ تَكْرَارَ الثَّلَاثَةِ مَأْثُورٌ فِي الْوُضُوءِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ دُونَ الْغُسْلِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ضَعِيفٌ وَشَاذٌّ بَلْ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ اسْتِحْبَابُ الثَّلَاثِ فِي الْغُسْلِ وَسَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِهِ وَنُبَيِّنُ خَلَائِقَ مِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ۔
وَأَمَّا تَجْدِيدُ الْغُسْلِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ وَفِي وَجْهٍ يُسْتَحَبُّ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي كَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا الْوَجْهَانِ وَعَلَى الصَّحِيحِ لَيْسَ بِمُسْتَعْمَلٍ قَطْعًا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ۔
 وَأَمَّا الْمَاءُ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ الصَّبِيُّ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ لِأَنَّهُ رَفَعَ حَدَثًا وَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَجْهًا آخر انه غير مستعمل لانه لم يؤدبه فَرْضًا وَلِهَذَا الْفَصْلِ فُرُوعٌ سَأَذْكُرُهَا فِي آخِرِ الْبَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (المجموع 1/158)

هل تجوز ازالة النجاسة بالماء المستعمل

هل تجوز ازالة النجاسة بالماء المستعمل

قال المصنف رحمه الله
"وَإِنْ قُلْنَا لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ فَهَلْ تَجُوزُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِهِ أَمْ لَا فِيهِ وَجْهَانِ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْأَنْمَاطِيُّ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا يَجُوزُ لِأَنَّ لِلْمَاءِ حُكْمَيْنِ رَفْعَ الْحَدَثِ وَإِزَالَةَ النَّجَسِ فَإِذَا رُفِعَ الْحَدَثُ بَقِيَ إزَالَةُ النَّجَسِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ مَاءٌ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ فلم يزل النجس كالماء النجس."
(ينبغي ان يقرأ هذا لتفهيم المسئلة كاملا)
قال الامام النووي رحمه الله
الشَّرْحُ: هَذَانِ الْوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ وَاتَّفَقُوا عَلَى تَصْحِيحِ عَدَمِ الْجَوَازِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا أَصْحَابُ الْوُجُوهِ. وَأَمَّا قَوْلُ الْأَنْمَاطِيِّ لِلْمَاءِ حُكْمَانِ فَلَا يَسْلَمُ أَنَّ لَهُ حُكْمَيْنِ على جهة الجمع بل على البدل، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَصْلُحُ لِهَذَا وَلِهَذَا فَأَيُّهُمَا فَعَلَ لَمْ يَصْلُحْ بَعْدَهُ لِلْآخَرِ قَالَ الْأَصْحَابُ وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ يَصْلُحُ لِرَفْعِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَلِلْجَنَابَةِ فَلَوْ اسْتَعْمَلَهُ فِي أَحَدِهِمَا لَمْ يَصْلُحْ لِلْآخَرِ بِالِاتِّفَاقِ مِنْ الْأَنْمَاطِيِّ وَغَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
فَرْعٌ: الْأَنْمَاطِيُّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ هُوَ أَبُو الْقَاسِمِ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بَشَّارٍ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَانَ إمَامًا عَظِيمًا جَلِيلَ الْمَرْتَبَةِ أَخَذَ الْفِقْهَ عَنْ الْمُزَنِيِّ وَالرَّبِيعِ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَكَانَ هُوَ السَّبَبَ فِي نَشْرِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ بِبَغْدَادَ وَكَتَبَ كُتُبَهُ وَعَلَيْهِ تَفَقَّهَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَهُوَ أَحَدُ أَجْدَادِنَا فِي سَلْسَلَةِ التَّفَقُّهِ تُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ
* وَأَمَّا ابْنُ خَيْرَانَ فَهُوَ أبو علي الحسن بن الْإِمَامُ الْجَلِيلُ الزَّاهِدُ الْوَرِعُ طَلَبُوهُ لِلْقَضَاءِ فَامْتَنَعَ فَحَبَسُوهُ مُدَّةً وَصَبَرَ عَلَى امْتِنَاعِهِ ثُمَّ أَطْلَقُوهُ وَعَتَبَ عَلَى ابْنِ سُرَيْجٍ لِكَوْنِهِ تَوَلَّى الْقَضَاءَ وَقَالَ هَذَا الْأَمْرُ لَمْ يَكُنْ فِي أَصْحَابِنَا وَإِنَّمَا كَانَ بَلِيَّةً فِي أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله تُوُفِّيَ أَبُو عَلِيٍّ سَنَةَ عِشْرِينَ وَثَلَثِمِائَةٍ وَرُبَّمَا اشْتَبَهَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ هَذَا بِأَبِي الْحَسَنِ بْنِ خَيْرَانَ الْبَغْدَادِيِّ صَاحِبِ الْكِتَابِ الْمُسَمَّى بِاللَّطِيفِ وَهُوَ كِتَابٌ حَسَنٌ رَأَيْتُهُ فِي مُجَلَّدَتَيْنِ لطيفتين وهو متأخر عن أبي علي ابن خيران والله أعلم۔ (المجموع 1/156)

صار الماء المستعمل قلتين

قال المصنف رحمه الله
"فان جمع المستعمل حتى صار قلتين فوجهان احدهما يَزُولُ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ كَمَا يَزُولُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ وَلِأَنَّهُ لَوْ تَوَضَّأَ فِيهِ أَوْ اغْتَسَلَ وَهُوَ قُلَّتَانِ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ فَإِذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ وَجَبَ أَنْ يَزُولَ عَنْهُ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ ، وَالثَّانِي لَا يَزُولُ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ لكونه مستعملا وهذا لا يزول بالكثرة."
قال الامام النووي رحمه الله
الشَّرْحُ: الْكَثْرَةُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِهَا حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ وَأَفْصَحُ وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ.

 وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ وَتَعْلِيلُهُمَا مَذْكُورٌ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْأَصَحَّ زَوَالُ حُكْمِ الِاسْتِعْمَالِ وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمُخْتَصَرَاتِ مِنْهُمْ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي كِتَابَيْهِ التَّحْرِيرِ وَالْبُلْغَةِ، قَالَ الرُّويَانِيُّ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ وَالْجَامِعِ الْكَبِيرِ وهو قول أبي اسحق. والوجه الآخر وهو قول ابن سريج كذا حَكَاهُ عَنْهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا وخالفهم البندنيجى وَصَاحِبُ الْإِبَانَةِ فَحَكَيَا عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ يَزُولُ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ وَالشَّيْخَانِ أَعْرَفُ مِنْ صَاحِبِ الْإِبَانَةِ وَأَتْقَنُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِابْنِ سُرَيْجٍ فِيهِ وَجْهَانِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ ابْنَ الْقَاصِّ قَالَ في التلخيص سمعت ابا العباس ابن سُرَيْجٍ يَقُولُ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَضُرَّهُ الِاسْتِعْمَالُ وَهَذَا ظَاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ إذَا جُمِعَ الْمُسْتَعْمَلُ فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ ثُمَّ رَأَيْتُ لِابْنِ سُرَيْجٍ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى كِتَابُ الْأَقْسَامِ فِي ذَلِكَ وَجْهَيْنِ وَكَيْفَ كَانَ فَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ غَيْرُ طَهُورٍ ضَعِيفٌ۔ قَالَ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ هُوَ غَلَطٌ، وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ لِلصَّحِيحِ بِالْعِلَّتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي الْكِتَابِ وَهُمَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا قَالُوا وَهُوَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْ الْمَاءِ النَّجِسِ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ أَغْلَظُ وَالْفَرْقُ عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ النَّجِسِ مَا فَرَّقَ بِهِ الْفُورَانِيُّ وَصَاحِبُهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمَا قَالُوا النَّجَاسَةُ صَارَتْ مُسْتَهْلَكَهُ فَسَقَطَ أَثَرُهَا عِنْدَ ظُهُورِ قُوَّةِ الْمَاءِ بِالْكَثْرَةِ وَصِفَةُ الِاسْتِعْمَالِ ثَابِتَةٌ لِجَمِيعِهِ فَنَظِيرُهُ مِنْ الْمَاءِ النَّجِسِ مَا لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ مُلَاقِيَةً لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ الماء بأن كان متغيرا فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَزُولُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ بِبُلُوغِهِ قُلَّتَيْنِ مَعَ بَقَاءِ التَّغَيُّرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ۔ (المجموع 1/156،157)

دلائل الشافعية وغيرها في الماء المستعمل و الاجوبة عن دلائلهم

دلائل الشافعية وغيرها في الماء المستعمل و الاجوبة عن دلائلهم

قال الامام النووي رحمه الله
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ مَرِضْتُ فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ الله عنه يعوداني فَوَجَدَانِي قَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ فَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ فَأَفَقْت رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ هَكَذَا احْتَجَّ بِهِ أَصْحَابُنَا وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْهُم. وَقَدْ يُعْتَرَضُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِهِ وَالْجَوَابُ ظَاهِرٌ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شئ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَمَوَاضِعَ بَعْدَهُ وَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ إلَّا مَا خُصَّ لِدَلِيلٍ. وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ ثُمَّ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةَ رَضِيَ الله عنهم كانوا يتوضؤن وَيَتَقَاطَرُ عَلَى ثِيَابِهِمْ وَلَا يَغْسِلُونَهَا. وَاحْتَجُّوا بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَاءٌ طَاهِرٌ لَاقَى مَحَلًّا طَاهِرًا فَكَانَ طَاهِرًا كَمَا لَوْ غُسِلَ بِهِ ثَوْبٌ طاهر. ولان الْمَاءَ طَاهِرٌ وَالْأَعْضَاءَ طَاهِرَةٌ فَمِنْ أَيْنَ النَّجَاسَةُ.
قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ لَا يَمْتَنِعُ مِثْلُ هَذَا فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ لَوْ وَطِئَ عَبْدٌ أَمَةً يَعْتَقِدُهَا حُرَّةً فَوَلَدَتْ فَالْوَلَدُ حُرٌّ فَالْحُرِّيَّةُ مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ. فَأَجَابَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ بِأَنَّ حُكْمَ الْوَلَدِ يَتَغَيَّرُ بِالِاعْتِقَادِ وَلِهَذَا لَوْ وَطِئَ أَمَةً يَعْتَقِدُهَا أَمَةً كَانَ الْوَلَدُ رَقِيقًا وَلَوْ اعْتَقَدَهَا حُرَّةً كَانَ حُرًّا. فَيَتَغَيَّرُ بِالِاعْتِقَادِ وَلَيْسَ الْمَاءُ كَذَلِكَ.
وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلَا يَغْتَسِلُ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ مِنْ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ هَكَذَا أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ لَا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ كَيْفَ يَفْعَلُ قَالَ يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا فَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ خِلَافُ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رِوَايَةُ الْحُفَّاظِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَشَارَ الْبَيْهَقِيُّ إلَى تَقْدِيمِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَجَعَلَهُ جَوَابًا لاستدلالهم بِهِ لَكِنْ لَا يُرْتَضَى هَذَا الْجَوَابُ وَلَا التَّرْجِيحُ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ إذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ وَلَيْسَ هُوَ مُتَعَذِّرًا هُنَا بَلْ الْجَوَابُ الْمَرْضِيُّ مَا اعْتَمَدَهُ أَصْحَابُنَا لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ اشْتِرَاكُ الْقَرِينَيْنِ فِي الْحُكْمِ قَالَ اللَّه تَعَالَى "كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حقه" فَالْأَكْلُ غَيْرُ وَاجِبٍ وَالْإِيتَاءُ وَاجِبٌ وَأَجَابَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ اشْتِرَاكُهُمَا فِي مَنْعِ الْوُضُوءِ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ بِشَرْطِ كَوْنِ الْمَاءِ دُونَ قُلَّتَيْنِ. وَجَوَابٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْبَوْلِ وَالِاغْتِسَالِ فِيهِ لَيْسَ لِأَنَّهُ يَنْجَسُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ بَلْ لِأَنَّهُ يُقَذِّرُهُ وَيُؤَدِّي إلَى تَغَيُّرِهِ. وَلِهَذَا نَصَّ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ عَلَى كَرَاهَةِ الِاغْتِسَالِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا. وَسَنُوَضِّحُهُ فِي بَابِ الْغُسْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَعَلَى الْجُمْلَةِ تَعْلُقهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَحُكْمُهُمْ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ بِهِ عَجَبٌ وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْمُزَالِ بِهِ نَجَاسَةٌ فَجَوَابُهُ مِنْ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا لَا نُسَلِّمُ نَجَاسَتَهُ إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ وَانْفَصَلَ وَقَدْ طَهُرَ الْمَحَلُّ.
الثَّانِي إنَّا حَكَمْنَا بِنَجَاسَتِهِ لِمُلَاقَاتِهِ مَحَلًّا نَجِسًا بِخِلَافِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْحَدَثِ.
الثَّالِثُ أَنَّهُ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ النَّجَاسَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

 وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ كَوْنُهُ لَيْسَ بِمُطَهِّرٍ فَقَالَ بِهِ أَيْضًا أَبُو حَنِيفَةَ
وَأَحْمَدُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ غَيْرَهَا وَذَهَبَ طَوَائِفُ إلَى أَنَّهُ مُطَهِّرٌ وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُمَا وَأَبِي ثَوْرٍ وَدَاوُد قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ  وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي أُمَامَةَ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَمَكْحُولٍ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا فِيمَنْ نَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ فَوَجَدَ فِي لِحْيَتِهِ بَلَلًا يَكْفِيهِ مَسْحُهُ بِذَلِكَ الْبَلَلِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْمُسْتَعْمَلَ مُطَهِّرًا قَالَ وَبِهِ أَقُولُ
 وَاحْتَجَّ لِهَؤُلَاءِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السماء ماء طهورا) وَالْفَعُولُ لِمَا يَتَكَرَّرُ مِنْهُ الْفِعْلُ.
وَبِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ رَأْسَهُ بِفَضْلِ مَاءٍ فِي يَدِهِ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ رَأْسَهُ بِبَلَلِ لِحْيَتِهِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اغْتَسَلَ فَنَظَرَ لُمْعَةً مِنْ بَدَنِهِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ فَأَخَذَ شَعْرًا مِنْ بَدَنِهِ عَلَيْهِ مَاءٌ فَأَمَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. قَالُوا وَلِأَنَّهُ مَاءٌ لاقى طاهرا فبقى مطهرا كَمَا لَوْ غُسِلَ بِهِ ثَوْبٌ. وَلِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فَجَازَ الطَّهَارَةُ بِهِ كَالْمُسْتَعْمَلِ فِي تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ. وَلِأَنَّ مَا أَدَّى بِهِ الْفَرْضَ مَرَّةً لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُؤَدِّيَ بِهِ ثَانِيًا كَمَا يَجُوزُ لِلْجَمَاعَةِ أَنْ يَتَيَمَّمُوا مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَكَمَا يُخْرِجُ الطَّعَامَ فِي الْكَفَّارَةِ ثُمَّ يَشْتَرِيهِ وَيُخْرِجُهُ فِيهَا ثَانِيًا وَكَمَا يُصَلِّي فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ مِرَارًا. قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ تَجُزْ الطَّهَارَةُ بِالْمُسْتَعْمَلِ لَامْتَنَعَتْ الطَّهَارَةُ لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ حُصُولِهِ عَلَى الْعُضْوِ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا فَإِذَا سَالَ عَلَى بَاقِي العضو ينبعى أَنْ لَا يَرْفَعَ الْحَدَثَ وَهَذَا مَتْرُوكٌ بِالْإِجْمَاعِ فَدَلَّ أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ مُطَهِّرٌ.
 وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ الحكم بن عمرو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرُهُمْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ لَيْسَ هُوَ بِصَحِيحٍ.
 قَالُوا وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ الْمُرَادَ بِفَضْلِ طَهُورِهَا مَا سَقَطَ عَنْ أَعْضَائِهَا لِأَنَّا اتَّفَقْنَا نَحْنُ وَالْمُنَازَعُونَ عَلَى أَنَّ الْبَاقِيَ فِي الْإِنَاءِ مُطَهِّرٌ فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى السَّاقِطِ وَفِي صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِهِ هُنَا نظر وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ أَوْضَحُ مِنْ هَذَا فِي بَابِ الْغُسْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ قَالُوا وَالْمُرَادُ
نَهْيُهُ لِئَلَّا يَصِيرَ مُسْتَعْمَلًا وَفِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُخْتَارَ وَالصَّوَابَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ الِاغْتِسَالِ فِي الدَّائِمِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لِئَلَّا يَقْذُرَهُ وَقَدْ يُؤَدِّي تَكْرَارُ ذَلِكَ إلَى تَغَيُّرِهِ
* وَاحْتَجُّوا بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمُسْتَعْمَلِ فِي إزَالَةِ النجاسة ولكن الفرق ظاهر واقرب شئ يُحْتَجُّ بِهِ مَا احْتَجُّوا بِهِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَهُوَ عُمْدَةُ الْمَذْهَبِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ احْتَاجُوا فِي مَوَاطِنَ مِنْ أَسْفَارِهِمْ الْكَثِيرَةِ إلَى الماء ولم يجمعوا المستعمل لا ستعماله مَرَّةً أُخْرَى. فَإِنْ قِيلَ تَرَكُوا الْجَمْعَ لِأَنَّهُ لا يتجمع منه شئ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا لَا يَسْلَمُ وَإِنْ سَلِمَ فِي الْوُضُوءِ لَمْ يَسْلَمْ فِي الْغُسْلِ، فَإِنْ قِيلَ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ جَمْعِهِ مَنْعُ الطَّهَارَةِ بِهِ وَلِهَذَا لَمْ يَجْمَعُوهُ لِلشُّرْبِ وَالطَّبْخِ وَالْعَجْنِ وَالتَّبَرُّدِ وَنَحْوِهَا مَعَ جَوَازِهَا بِهِ بِالِاتِّفَاقِ۔ فَالْجَوَابُ أَنَّ تَرْكَ جَمْعِهِ لِلشُّرْبِ وَنَحْوِهِ لِلِاسْتِقْذَارِ فَإِنَّ النُّفُوسَ تَعَافُهُ فِي الْعَادَةِ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا كَمَا اسْتَقْذَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الضَّبَّ وَتَرَكَهُ فَقِيلَ أَ حَرَامٌ هُوَ؟ قَالَ لَا وَلَكِنِّي أَعَافُهُ وَأَمَّا الطَّهَارَةُ بِهِ ثَانِيَةً فَلَيْسَ فِيهَا اسْتِقْذَارٌ فَتَرْكُهُ يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِهِ.
* وَمِمَّا احْتَجُّوا بِهِ أَنَّ السَّلَفَ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ وَجَدَ مِنْ الْمَاءِ بَعْضَ مَا يَكْفِيهِ لِطَهَارَتِهِ هَلْ يَسْتَعْمِلُهُ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلْبَاقِي أَمْ يَتَيَمَّمُ وَيَتْرُكُهُ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ يَسْتَعْمِلُهُ ثُمَّ يَجْمَعُهُ ثُمَّ يَسْتَعْمِلُهُ فِي بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ وَلَوْ كَانَ مطهرا لقالوه فان قيل لانه لا ينجمع منه شئ. فَالْجَوَابُ لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ بَلْ الْحَالُ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ كَمَا قَدَّمْتُهُ قَرِيبًا
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِالْآيَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا لَا نسلم ان فعولا يَقْتَضِي التَّكَرُّرُ مُطْلَقًا بَلْ مِنْهُ مَا هُوَ كَذَلِكَ وَمِنْهُ غَيْرُهُ وَهَذَا مَشْهُورٌ لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَالثَّانِي الْمُرَادُ بِطَهُورِ الْمُطَهِّرُ وَالصَّالِحُ لِلتَّطْهِيرِ وَالْمُعَدُّ لِذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ رَأْسَهُ بِفَضْلِ مَاءٍ كَانَ فِي يَدِهِ فَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ هَكَذَا أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ وَإِسْنَادُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَرَوَى مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فَذَكَرَ صِفَةَ الْوُضُوءِ إلَى أَنْ قَالَ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلٍ يَدَيْهِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِرِوَايَاتِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ لِرَأْسِهِ مَاءً جَدِيدًا: فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ ضَعِيفٌ فَإِنَّ رَاوِيَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَإِذَا كان ضعيفا لم يحتج بروايته لو لَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ، وَلِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُضْطَرِبٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ قَدْ رَوَى شَرِيكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي هذا الحديث فأخذ ماء جَدِيدًا فَمَسَحَ رَأْسَهُ مُقَدَّمَهُ وَمُؤَخَّرَهُ
(الْجَوَابُ الثَّانِي) لَوْ صَحَّ لَحُمِلَ عَلَى أَنَّهُ أَخَذَ مَاءً جديدا صب بَعْضَهُ وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِبَقِيَّتِهِ لِيَكُونَ مُوَافِقًا لِسَائِرِ الرِّوَايَاتِ وَعَلَى هَذَا تَأَوَّلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ (الثَّالِثُ) يُحْتَمَلُ أَنَّ الْفَاضِلَ فِي يَدِهِ مِنْ الْغَسْلَةِ الثَّالِثَةِ لِلْيَدِ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ على الصحيح وكذا في سائر نفل الطَّهَارَةِ.
 وَأَمَّا قَوْلُهُمْ مَسَحَ رَأْسَهُ بِبَلَلِ لِحْيَتِهِ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ضَعِيفٌ وَالثَّانِي حمله على بلل الغسلة الثانية وَالثَّالِثَةُ وَهُوَ مُطَهِّرٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ اغْتَسَلَ وَتَرَكَ لُمْعَةً ثُمَّ عَصَرَ عَلَيْهَا شَعْرًا فَجَوَابُهُ مِنْ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ ضَعِيفٌ وَقَدْ بين الدارقطني ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ ضَعْفَهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ النَّخَعِيِّ،( الثَّانِي ) لَوْ صَحَّ لَحُمِلَ عَلَى بَلَلٍ بَاقٍ مِنْ الْغَسْلَةِ الثَّالِثَةِ (الثَّالِثُ) أَنَّ حُكْمَ الِاسْتِعْمَالِ إنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَ الِانْفِصَالِ عَنْ الْعُضْوِ وَهَذَا لَمْ يَنْفَصِلْ وَبَدَنُ الْجُنُبِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ وَلِهَذَا لَا تَرْتِيبَ فِيهِ.

 وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى مَا غُسِلَ بِهِ ثَوْبٌ وَعَلَى تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَمْ يُؤَدَّ بِهِ فَرْضٌ. وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى تَيَمُّمِ الْجَمَاعَةِ فَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ مَا عَلَقَ بِالْعُضْوِ أَوْ سَقَطَ عَنْهُ عَلَى الْأَصَحِّ وَأَمَّا الْبَاقِي بِالْأَرْضِ فَغَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ قَطْعًا فَلَيْسَ هُوَ كَالْمَاءِ وَأَمَّا طَعَامُ الْكَفَّارَةِ فَإِنَّمَا جَازَ أَدَاءُ الْفَرْضِ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى لِتَجَدُّدِ عَوْدِ الْمِلْكِ فِيهِ فَنَظِيرُهُ تَجَدُّدُ الْكَثْرَةِ فِي الْمَاءِ بِبُلُوغِهِ قُلَّتَيْنِ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَأَمَّا الثَّوْبُ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ من صفته شئ فَلَا يُسَمَّى مُسْتَعْمَلًا بِخِلَافِ الْمَاءِ وَتَغَيُّرُ الصِّفَاتِ مُؤَثِّرٌ فِيمَا أَدَّى بِهِ الْفَرْضَ كَالْعَبْدِ يعتقه عن كفارة وأما قولهم لو لم تجز الطهارة به لامتنعت إلَخْ فَجَوَابُهُ إنَّا لَا نَحْكُمُ بِالِاسْتِعْمَالِ مَا دَامَ مُتَرَدِّدًا عَلَى الْعُضْوِ بِلَا خِلَافٍ فَلَا يُؤَدِّي إلَى مَفْسَدَةٍ وَلَا حَرَجَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وله الحمد والنعمة.(المجموع 1/151-156)

مذاهب الفقهاء في الماء المستعمل

مذاهب الفقهاء في الماء المستعمل

قال الامام النووي رحمه الله
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ عِنْدَنَا بِلَا خِلَافٍ وَلَيْسَ بمطهر علي المذهب وفي المسألتين خلاف للعماء.
فَأَمَّا كَوْنُهُ طَاهِرًا فَقَدْ قَالَ بِهِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَجُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ.
 وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ نَجِسٌ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ.
إحْدَاهَا رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ طَاهِرٌ كَمَذْهَبِنَا.
قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ.
وَالثَّانِيَةُ نَجِسٌ نَجَاسَةً مُخَفَّفَةً.
وَالثَّالِثَةُ نَجِسٌ نَجَاسَةً مُغَلَّظَةً.
وَاحْتَجَّ لَهُمَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَلَا يَغْتَسِلُ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ قَالُوا فَجَمَعَ بَيْنَ الْبَوْلِ وَالِاغْتِسَالِ وَالْبَوْلُ يُنَجِّسُهُ وَكَذَا الِاغْتِسَالُ.
قَالُوا وَلِأَنَّهُ أَدَّى بِهِ فَرْضَ طَهَارَةٍ فَكَانَ نَجِسًا كَالْمُزَالِ بِهِ النَّجَاسَةَ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ مَرِضْتُ فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ الله عنه يعوداني فَوَجَدَانِي قَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ فَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ فَأَفَقْت رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ هَكَذَا احْتَجَّ بِهِ أَصْحَابُنَا وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْهُمْ. وَقَدْ يُعْتَرَضُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِهِ وَالْجَوَابُ ظَاهِرٌ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شئ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَمَوَاضِعَ بَعْدَهُ وَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ إلَّا مَا خُصَّ لِدَلِيلٍ.
 وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ ثُمَّ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةَ رَضِيَ الله عنهم كانوا يتوضؤن وَيَتَقَاطَرُ عَلَى ثِيَابِهِمْ وَلَا يَغْسِلُونَهَا. وَاحْتَجُّوا بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَاءٌ طَاهِرٌ لَاقَى مَحَلًّا طَاهِرًا فَكَانَ طَاهِرًا كَمَا لَوْ غُسِلَ بِهِ ثَوْبٌ طاهر. ولان الْمَاءَ طَاهِرٌ وَالْأَعْضَاءَ طَاهِرَةٌ فَمِنْ أَيْنَ النَّجَاسَةُ.(المجموع 1/151)

اقسام الماء المستعمل

اقسام الماء المستعمل

قال المصنف رحمه الله

 باب ما يفسده الْمَاءَ مِنْ الِاسْتِعْمَالِ وَمَا لَا يُفْسِدُهُ

(الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ ضَرْبَانِ مُسْتَعْمَلٌ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَمُسْتَعْمَلٌ فِي طَهَارَةِ النَّجَسِ فَأَمَّا الْمُسْتَعْمَلُ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ فَيُنْظَرُ فِيهِ فَإِنْ اُسْتُعْمِلَ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ فَهُوَ طَاهِرٌ لِأَنَّهُ مَاءٌ طَاهِرٌ لَاقَى مَحَلًّا طَاهِرًا فَكَانَ طَاهِرًا كَمَا لَوْ غُسِلَ به ثوب طاهر وهل تجوز بِهِ الطَّهَارَةُ أَمْ لَا فِيهِ طَرِيقَانِ مِنْ أَصْحَابِنَا منْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لا يجوز لانه زال عنده إطْلَاقُ اسْمِ الْمَاءِ فَصَارَ كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ بِالزَّعْفَرَانِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَمْ يُغَيِّرْ صِفَةَ الْمَاءِ فلم يمنع الوضوء بِهِ كَمَا لَوْ غُسِلَ بِهِ ثَوْبٌ طَاهِرٌ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ لَمْ يُثْبِتْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ."
قال الامام النووي رحمه الله
الشرح: يعنى طهارة الْحَدَثِ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ وَاجِبًا كَانَ أَوْ مَنْدُوبًا كَالْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ وَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ وَالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ قَسَّمَ طَهَارَةَ الْحَدَثِ إلَى مَا رَفَعَ حَدَثًا وَغَيْرَهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَخَصَّ هَذَا بِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ مَعَ أَنَّ هَذَا الثَّانِي عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ مَنْصُوصٌ أَيْضًا ثَابِتٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَنْصُوصِ الْمَسْطُورَ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ اسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ مِثْلَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا فِي بَابِ الْآنِيَةِ فِي نَجَاسَةِ الشُّعُورِ.
 وَأَمَّا قَوْلُهُ وَرُوِيَ عنه فيعني روى عن الشافعي وهذا الرواى هُوَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ الْإِمَامُ الْمَشْهُورُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ الْقَدِيمَةِ وَالْجَدِيدَةِ أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ لَيْسَ بِطَهُورٍ وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْوُضُوءِ بِهِ فَتَوَقَّفَ فِيهِ وَحَكَى عِيسَى بْنُ أَبَانَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَجَازَ الْوُضُوءَ بِهِ وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ قَالَ أَبُو حَامِدٍ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ غَيْرُ طَهُورٍ وَقَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ لَا نَدْرِي مَنْ أَرَادَ بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ هَلْ هُوَ الشَّافِعِيُّ أَوْ مَالِكٌ أَوْ أَحْمَدُ وَلَوْ أَرَادَ الشَّافِعِيَّ فَتَوَقُّفُهُ لَيْسَ حُكْمًا بِأَنَّهُ طَهُورٌ وَعِيسَى بْنُ أَبَانَ مُخَالِفٌ لَنَا وَلَا نَأْخُذُ مَذْهَبَنَا عَنْ الْمُخَالِفِينَ وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ عِيسَى ثِقَةٌ لَا يُتَّهَمُ فِيمَا نحكيه فَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي نَصُّهُ فِي كُتُبِهِ الْقَدِيمَةِ وَالْجَدِيدَةِ وَمَا نَقَلَهُ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ سَمَاعًا وَرِوَايَةً أَنَّهُ غَيْرُ طَهُورٍ وَحَكَى عِيسَى بْنُ أَبَانَ فِي الْخِلَافِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ طَهُورٌ وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ سَأَلْتُ الشَّافِعِيَّ عنه فتوقف فقال أبو اسحق وأبو حامد المروروذى فِيهِ قَوْلَانِ. وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَيْسَ بِطَهُورٍ قَطْعًا.
وَهَذَا أَصَحُّ لِأَنَّ عِيسَى وَإِنْ كَانَ ثِقَةً فَيَحْكِي مَا حَكَاهُ أَهْلُ الْخِلَافِ.
وَلَمْ يَلْقَ الشَّافِعِيَّ فَيَحْكِيه سَمَاعًا وَلَا هُوَ مَنْصُوصٌ فَيَأْخُذُهُ مِنْ كُتُبِهِ وَلَعَلَّهُ تَأَوَّلَ كَلَامَهُ فِي نَصْرَةِ طَهَارَتِهِ ردا على أبي يوسف فجمله عَلَى جَوَازِ الطَّهَارَةِ بِهِ.
وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ قَوْلُ من رد رواية عيسى ليس بشئ لِأَنَّهُ ثِقَةٌ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا قُلْتُ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ.
وَإِنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَالْفُورَانِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَيْسَ بِطَهُورٍ. وَعَلَيْهِ التَّفْرِيعُ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ زَالَ عَنْهُ إطْلَاقُ اسْمِ الْمَاءِ فَفِيهِ تصريح بان الْمُسْتَعْمَلَ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ وَقَدْ سَبَقَ الْخِلَافُ فِيهِ فِي أَوَائِلِ الْبَابِ الْأَوَّلِ.(المجموع 1/151-152)

فرع في مسائل تتعلق بباب ما يفسد الماء من الطاهرات وما لا يفسده

فرع في مسائل تتعلق بباب ما يفسد الماء من الطاهرات وما لا يفسده

قال الامام النووي رحمه الله
فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ: 
إحْدَاهَا سَبَقَ أَنَّ الْمَائِعَاتِ غَيْرَ الْمَاءِ تَنْجُسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ وَإِنْ بَلَغَتْ قِلَالًا وَسَبَقَ بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ وَحَكَى صَاحِبُ الْعُدَّةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمَائِعَ كَالْمَاءِ إذَا بَلَغَ الْحَدَّ الَّذِي يَعْتَبِرُونَهُ.
 الثَّانِيَةُ: انْغَمَسَتْ فَأْرَةٌ فِي مَائِعٍ أَوْ مَاءٍ قَلِيلٍ وَخَرَجَتْ حَيَّةً فَمَنْفَذُهَا نَجِسٌ وَقَدْ لَاقَاهُ فَهَلْ يُنَجِّسُهُ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْإِمَامُ وَآخَرُونَ أَصَحُّهُمَا لَا لِأَنَّ الْأَوَّلِينَ لَمْ يَحْتَرِزُوا عَنْ مِثْلِ هَذَا. وَالثَّانِي نَعَمْ طَرْدًا لِلْقِيَاسِ.
وَلَوْ انْغَمَسَ فِيهِ مُسْتَجْمِرٌ بِالْأَحْجَارِ نَجَّسَهُ بِلَا خِلَافٍ.
وَلَوْ حَمَلَ الْمُصَلِّي مُسْتَجْمِرًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
الثَّالِثَةُ: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلَوْ وَقَفَ مَاءٌ كَثِيرٌ عَلَى مُسْتَوٍ مِنْ الْأَرْضِ وَانْبَسَطَ فِي عُمْقِ شِبْرٍ أَوْ فِتْرٍ مَثَلًا فَلَيْسَ لِلْمَاءِ فِي هَذَا الْمَقَرِّ تَرَادٌّ وَتَدَافُعٌ وَلَا يَتَقَوَّى الْبَعْضُ بِالْبَعْضِ كَمَا يَتَقَوَّى إذَا كَانَ لَهُ عُمْقٌ مُنَاسِبٌ لِطُولِهِ وَعَرْضِهِ فَإِذَا وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ عَلَى طَرَفِ هَذَا الْمَاءِ وَقُلْنَا لَا يَجِبُ التَّبَاعُدُ فَهَلْ يَجِبُ هُنَا وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَحَامِلِيُّ فِي الْقَوْلَيْنِ وَالْوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا لَا. طَرْدًا لِلْقِيَاسِ.
وَالثَّانِي يَجِبُ لِأَنَّ أَجْزَاءَ هَذَا الْمَاءِ وَإِنْ تَوَاصَلَتْ فَهِيَ ضَعِيفَةٌ. فَإِذَا قَرُبَ مِنْ مَحَلِّهَا كَانَ كَالْمُغْتَرِفِ مِنْ مَاءٍ قَلِيلٍ. 
قَالَ الْإِمَامُ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ يَقْتَضِي سِيَاقُهُ أَنْ يُقَالَ لَوْ نَقَصَ عَنْ الْقُلَّتَيْنِ قَدْرًا يَسِيرًا وَهُوَ مُنْبَسِطٌ كَمَا سَبَقَ فَوَقَعَتْ فِي طَرَفِهِ نَجَاسَةٌ لَا يَنْجَسُ الطَّرَفُ الْأَقْصَى عَلَى الْفَوْرِ. لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَنْبَثُّ بِسُرْعَةٍ مَعَ انْبِسَاطِ الْمَاءِ وَضَعْفِ تَرَادِّهِ. قَالَ الْإِمَامُ وَهَذَا لَمْ يَصِرْ إلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ.
الرَّابِعَةُ: قَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ لَوْ كَانَتْ سَاقِيَةٌ تَجْرِي من نهر إلى آخر فانقطع طرفاها وَوَقَعَتْ فِيهَا نَجَاسَةٌ.
قَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ نَجِسَ الَّذِي فِيهَا لِأَنَّهُ دُونَ قُلَّتَيْنِ. وَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا بِقُلَّتَيْنِ. قَالَ أَصْحَابُنَا هَذَا إذَا كَانَ أَسْفَلُ السَّاقِيَةِ وَأَعْلَاهَا مُسْتَوِيًا
وَالْمَاءُ رَاكِدٌ فِيهَا نَجِسَ كُلُّهُ إذَا تَقَاصَرَ عَنْ قُلَّتَيْنِ فَأَمَّا ان كان أعلا السَّاقِيَةِ أَرْفَعَ مِنْ أَسْفَلِهَا وَالْمَاءُ يَجْرِي فِيهَا فَوَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي أَسْفَلِهَا فَلَا يَنْجَسُ الَّذِي فِي أَعْلَاهَا وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَاءٍ يُصَبُّ مِنْ إنَاءٍ عَلَى نَجَاسَةٍ فَمَا لَمْ يَصِلْ النَّجَاسَةَ مِنْهُ طَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ فِي الطَّرِيق.
 الْخَامِسَةُ: قال صاحب الْعُدَّةِ لَوْ تَوَضَّأَ مِنْ بِئْرٍ ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْهَا دَجَاجَةً مَيْتَةً مُنْتَفِخَةً لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُعِيدَ مِنْ صَلَاتِهِ إلَّا الَّتِي تَيَقَّنَ أَنَّهُ صَلَّاهَا بِمَاءٍ نَجِسٍ قَالَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَلْزَمُهُ إعَادَةُ صَلَوَاتِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا.
 السَّادِسَةُ: قَالَ أَصْحَابُنَا لَوْ غُمِسَ كُوزٌ مُمْتَلِئٌ مَاءً نَجِسًا فِي مَاءٍ كَثِيرٍ طَاهِرٍ فَإِنْ كَانَ وَاسِعَ الرَّأْسِ فَأَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ أَنَّهُ يَعُودُ مُطَهِّرًا لاتصاله بِقُلَّتَيْنِ.وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ كَالْمُنْفَصِلِ.
وَإِنْ كَانَ ضَيِّقَ الرَّأْسِ فَأَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ لَا يَطْهُرُ وَإِذَا قُلْنَا فِي الصُّورَتَيْنِ يَطْهُرُ فَهَلْ يَطْهُرُ عَلَى الفور أم لابد مِنْ مُكْثِ زَمَانٍ يَزُولُ فِيهِ التَّغَيُّرُ لَوْ كَانَ مُتَغَيِّرًا فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي وَيَكُونُ الزَّمَانُ فِي الضَّيِّقِ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي الْوَاسِعِ فَإِنْ كَانَ مَاءُ الْكُوزِ مُتَغَيِّرًا فَلَا بُدَّ مِنْ زَوَالِ تَغَيُّرِهِ وَلَوْ كَانَ الْكُوزُ غَيْرَ مُمْتَلِئٍ فَمَا دَامَ يَدْخُلُ فِيهِ الْمَاءُ لَا يَطْهُرُ لِعَدَمِ الِاتِّصَالِ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ فِيهِ فَيَكُونَ فِيهِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ فِي الْمُكَاثَرَةِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَلَوْ كَانَ مَاءُ الْكُوزِ طَاهِرًا فَغَمَسَهُ فِي نَجِسٍ يَنْقُصُ عَنْ قُلَّتَيْنِ بِقَدْرِ مَاءِ الْكُوزِ فَهَلْ يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ النَّجِسِ. فِيهِ الْوَجْهَانِ قُلْتُ وَالطَّهَارَةُ هُنَا أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
السَّابِعَةُ: مَاءُ الْبِئْرِ كَغَيْرِهِ فِي قَبُولِ النَّجَاسَةِ وَزَوَالِهَا فَإِنْ كَانَ قَلِيلًا وَتَنَجَّسَ بِوُقُوعِ نَجَاسَةٍ فَيَنْبَغِي أَلَّا يُنْزَحَ لِيَنْبُعَ طَهُورٌ بَعْدَهُ لِأَنَّهُ إذَا نُزِحَ بَقِيَ قَعْرُ الْبِئْرِ نَجِسًا وَقَدْ يَتَنَجَّسُ جُدْرَانُ الْبِئْرِ بِالنَّزْحِ أَيْضًا بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكَ لِيَزْدَادَ فَيَبْلُغَ حَدَّ الْكَثْرَةِ فَإِنْ كَانَ نَبْعُهَا قَلِيلًا لَا يُتَوَقَّعُ كَثْرَتُهُ صُبَّ فِيهَا مَاءٌ لِيَبْلُغَ الْكَثْرَةَ وَيَزُولَ التَّغَيُّرُ إنْ كَانَ تَغَيَّرَ وان كان الماء كثيرا طاهرا وتفتت فِيهِ نَجَاسَةٌ كَفَأْرَةٍ تَمَعَّطَ شَعْرُهَا بِحَيْثُ يَغْلِبُ علي الظن انه لا يخلو دَلْوٌ عَنْ شَعْرَةٍ فَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ فَهُوَ طَهُورٌ كَمَا كَانَ لَكِنْ يَتَعَذَّرُ اسْتِعْمَالُهُ فَالطَّرِيقُ إلَى ذَلِكَ أَنْ يَسْتَقِيَ الْمَاءَ كُلَّهُ لِيَذْهَبَ الشَّعْرُ مَعَهُ فَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ فَوَّارَةً وَتَعَذَّرَ نَزْحُ الْجَمِيعِ فَلْيُنْزَحْ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الشَّعْرَ خَرَجَ كُلُّهُ وَفَسَّرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هذا بان تتابع الدِّلَاءُ بِحَيْثُ لَا تَسْكُنُ حَرَكَةُ مَاءِ الْبِئْرِ بِالدَّلْوِ الْأُولَى حَتَّى تَلْحَقَهَا الثَّانِيَةُ ثُمَّ هَكَذَا فِي كُلِّ دَلْوٍ حَتَّى يَنْزَحَ مِثْلَ الْمَاءِ الَّذِي كَانَ فِي الْبِئْرِ مَرَّةً قَالَ وَالِاسْتِظْهَارُ عِنْدِي أَنْ يَنْزَحَ مِثْلَهُ مِرَارًا وَإِذَا أَخَذَ مِنْ هَذِهِ الْبِئْرِ بَعْدَ الِاسْتِقَاءِ الْمَذْكُورِ شَيْئًا فَهُوَ طَاهِرٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَيْقَنِ النَّجَاسَةِ وَلَا مَظْنُونِهَا وَلَا يَضُرُّ احْتِمَالُ بَقَاءِ الشَّعْرِ فَإِنْ تَحَقَّقَ بَعْدَ ذَلِكَ شَعْرًا حَكَمَ بِهِ فَلَوْ أَخَذَ قَبْلَ النَّزْحِ دَلْوًا فَنَظَرَ فَلَمْ يَرَ فِيهَا شَعْرًا فَهُوَ طَهُورٌ قَطْعًا فَلَوْ لَمْ يَنْظُرْ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ شَعْرٍ فَفِي طَهَارَتِهِ الْقَوْلَانِ فِي تَقَابُلِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ. هَكَذَا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ هَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ وَهُوَ أَنَّ الشَّعْرَ نَجِسٌ.
 فَإِنْ قُلْنَا طَاهِرٌ فَالْمَاءُ عَلَى طَهَارَتِهِ صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ. وَنَقَلَ عَنْ الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ أَجْرَى فِي تَدْرِيسِهِ لِلْوَسِيطِ هَذَا الْحُكْمَ مَعَ الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ الشَّعْرِ قَالَ لِأَنَّ الشَّعْرَ يَتَمَعَّطُ مُلْتَصِقًا بِهِ شئ من جلد الفأرة ولحمها ذلك نَجِسٌ وَهَذَا النَّقْلُ إنْ صَحَّ عَنْهُ مَتْرُوكٌ لِأَنَّهُ تَوَهُّمُ مُنَجِّسٍ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
 هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِنَا وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ خِلَافًا مُنْتَشِرًا لِلْعُلَمَاءِ فِي الْبِئْرِ إذَا وَقَعَتْ فِيهَا نَجَاسَةٌ لَمْ تُغَيِّرْهَا فَقَالَ مَالِكٌ وَمُوَافِقُوهُ فِي أَنَّ الْمَاءَ لَا يَنْجَسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ هُوَ طَاهِرٌ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ. وَقَالَ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ يَنْزَحُهَا حَتَّى تَغْلِبَهُمْ وَعَنْ الْحَسَنِ وَالثَّوْرِيِّ يَنْزَحُهَا كُلَّهَا. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمْ يَنْزَحُ مِنْهَا دِلَاءً مَخْصُوصَةً  وَاخْتَلَفُوا فِي عَدَدِهَا وَاخْتِلَافِهَا بِاخْتِلَافِ النجاسة ولا أصل لشئ مِنْ ذَلِكَ فَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ مَذْهَبِنَا ومذهب مالك والله أعلم.(المجموع 1/147-149)

مسائل بعض الماء جاريا وبعضه راكدا

مسائل بعض الماء جاريا وبعضه راكدا

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله
"وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ جَارِيًا وَبَعْضُهُ رَاكِدًا بِأَنْ يَكُونَ فِي النَّهْرِ مَوْضِعٌ مُنْخَفِضٌ يَرْكُدُ فِيهِ الْمَاءُ وَالْمَاءُ يَجْرِي بِجَنْبِهِ وَالرَّاكِدُ زَائِلٌ عَنْ سَمْتِ الْجَرْيِ فَوَقَعَ فِي الرَّاكِدِ نَجَاسَةٌ وَهُوَ دون قلتين فَإِنْ كَانَ مَعَ الْجِرْيَةِ الَّتِي يُحَاذِيهَا يَبْلُغُ قُلَّتَيْنِ فَهُوَ طَاهِرٌ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ فَهُوَ نَجِسٌ وَتَنْجُسُ كُلُّ جِرْيَةٍ بِجَنْبِهَا إلَى أَنْ يَجْتَمِعَ فِي مَوْضِعٍ قُلَّتَانِ فَيَطْهُر"
قال الامام النووي رحمه الله
الشَّرْحُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ قَدْ ذَكَرَهُ هَكَذَا أَيْضًا كَثِيرُونَ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ إنْ كان الراكد النجس دون قلتين نظر ان دَخَلَ الْجَارِي عَلَى الرَّاكِدِ وَخَرَجَ مِنْهُ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ فَإِنْ بَلَغَا قُلَّتَيْنِ فَطَاهِرَانِ وَإِلَّا فَنَجِسَانِ. وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى الرَّاكِدِ بَلْ جَرَى عَلَى سُنَنِهِ فَإِنْ كَانَ الْجَارِي دُونَ قُلَّتَيْنِ فَهُوَ نَجِسٌ لِأَنَّهُ يُلَاصِقُ مَاءً نَجِسًا وَإِنْ كَانَ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجَسْ وَلَكِنْ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَطْهُرُ بِهِ الرَّاكِدُ لِأَنَّهُ يُفَارِقُهُ وما فارق الشئ فَلَيْسَ مَعَهُ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو حَامِدٍ ضَعِيفٌ وَسَلَكَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ طَرِيقًا جَامِعًا مَبْسُوطًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثُمَّ اخْتَصَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ فَقَالَ إذَا جَرَى الْمَاءُ فِي حَوْضٍ طَرَفَاهُ رَاكِدَانِ فَلِلطَّرَفَيْنِ حُكْمُ الرَّاكِدِ وَلِلْمُتَحَرِّكِ حُكْمُ الْجَارِي.
فَلَوْ وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي الْجَارِي لَمْ يَنْجَسْ الرَّاكِدُ إذَا لَمْ نُوجِبْ التَّبَاعُدُ وَإِنْ كَانَ الرَّاكِدُ قَلِيلًا.
لِأَنَّا نُجَوِّزُ رَفْعَ الْمَاءِ مِنْ طَرَفَيْ النَّجَاسَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. فَلَوْ وَقَعَ فِي الرَّاكِدِ وَهُوَ دُونَ قُلَّتَيْنِ نَجَاسَةٌ فَهُوَ نَجِسٌ.
وَالْجَارِي يُلَاقِي فِي جَرَيَانِهِ مَاءً نَجِسًا وَقَدْ يَقْتَضِي الْحَالُ تَنْجِيسَهُ عَلَى مَا سَبَقَ فَلَوْ كَانَ الْمَاءُ يَسْتَدِيرُ فِي بَعْضِ أطراف الحوض ثم يشتد في المنفد قَالَ الْإِمَامُ أَرَى لَهُ حُكْمَ الرَّاكِدِ لِأَنَّ الِاسْتِدَارَةَ فِي مَعْنَى التَّدَافُعِ وَالتَّرَادِّ يَزِيدُ عَلَى الرُّكُودِ. وَلَوْ كَانَ فِي وَسَطِ النَّهْرِ حُفْرَةٌ لَهَا عُمْقٌ.
فَقَدْ نَقَلَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ أَنَّ الْمَاءَ فِي الْحُفْرَةِ لَهُ حُكْمُ الرَّاكِدِ وَإِنْ جَرَى فَوْقَهَا. يَعْنِي نَقْلَهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ وَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ الْجَارِي يُقَلِّبُ مَاءَ الْحُفْرَةِ وَيُبَدِّلُهُ فَلَهُ حُكْمُ الْجَارِي أَيْضًا وَإِنْ كَانَ يَلْبَثُ فِيهَا قَلِيلًا ثُمَّ يُزَايِلُهَا فَلَهُ فِي وَقْتِ اللُّبْثِ حُكْمُ الرَّاكِدِ وَكَذَا إنْ كَانَ لَا يَلْبَثُ وَلَكِنْ تَتَثَاقَلُ حَرَكَتُهُ فَلَهُ فِي وَقْتِ التَّثَاقُلِ حُكْمُ الْمَاءِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ارْتِفَاعٌ وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَرْعٍ

(فَرْعٌ)
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ إذَا جَرَى الْمَاءُ مُنْحَدِرًا فِي صَبَبٍ أَوْ مُسْتَوٍ مِنْ الْأَرْضِ فَهُوَ الْجَارِي حَقًّا فَلَوْ كَانَ قُدَّامَهُ ارْتِفَاعٌ فَالْمَاءُ يَتَرَادُّ لَا مَحَالَةَ وَيَجْرِي مَعَ ذلك جريا مُتَبَاطِئًا فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهُ حُكْمَ الرَّاكِدِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا منْ قَالَ هُوَ جَارٍ قَالَ الامام والغزالي وهذا ضعيف نَعُدُّهُ مِنْ الْمَذْهَبِ.(المجموع 1/145-147)

مسائل الماء الجاري فيه نجاسة

مسائل الماء الجاري فيه نجاسة

قال المصنف رحمه الله
"وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ جَارِيًا وَفِيهِ نَجَاسَةٌ جَارِيَةٌ كَالْمَيْتَةِ وَالْجِرْيَةِ الْمُتَغَيِّرَةِ فَالْمَاءُ الَّذِي قَبْلَهَا طَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى النَّجَاسَةِ فَهُوَ كَالْمَاءِ الَّذِي يُصَبُّ عَلَى النَّجَاسَةِ مِنْ إبْرِيقٍ وَاَلَّذِي بَعْدَهَا طَاهِرٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ النجاسة وأما ما يحيط بها مِنْ فَوْقِهَا وَتَحْتِهَا وَيَمِينِهَا وَشِمَالِهَا فَإِنْ كَانَ قُلَّتَيْنِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ فَهُوَ طَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ دونهما فنجس كالراكد وقال ابن الْقَاصِّ فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ قَالَهُ فِي الْقَدِيمِ أَنَّهُ لَا يَنْجَسُ الْمَاءُ الْجَارِي إلَّا بِالتَّغَيُّرِ لِأَنَّهُ مَاءٌ وَرَدَ عَلَى النَّجَاسَةِ فَلَمْ يَنْجَسْ مِنْ غَيْرِ تَغَيُّرٍ كَالْمَاءِ الْمُزَالِ بِهِ النَّجَاسَةُ وَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ وَاقِفَةً وَالْمَاءُ يَجْرِي عَلَيْهَا فان ما قبلها وبعدها طَاهِرٌ وَمَا يَجْرِي عَلَيْهَا إنْ كَانَ قُلَّتَيْنِ فهو طاهر وان كان دونه نَجِسٌ وَكَذَا كُلُّ مَا يَجْرِي عَلَيْهَا بَعْدَهَا فهو نجس ولا يطهر شئ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَرْكُدَ فِي مَوْضِعٍ وَيَبْلُغَ قلتين وقال أبو اسحق وَأَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْقَاصِّ وَالْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ مَا لَمْ يَصِلْ إلَى الْجِيفَةِ فَهُوَ طَاهِرٌ وما بعدها يَجُوزُ أَنْ يُتَوَضَّأَ مِنْهُ إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِيفَةِ قُلَّتَانِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ لِكُلِّ جِرْيَةٍ حُكْمَ نَفْسِهَا فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْقُلَّتَانِ"
قال الامام النووي رحمه الله
الشَّرْحُ:هَذَا الْفَصْلُ كُلُّهُ ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَرَجَّحُوا مَا رَجَّحَهُ إلَّا أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيَّ وَالْبَغَوِيَّ اخْتَارُوا فِيمَا إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ مَائِعَةً مُسْتَهْلَكَةً لَا يَنْجَسُ الْمَاءُ وَإِنْ كَانَ كُلُّ جِرْيَةٍ دُونَ قُلَّتَيْنِ وَهَذَا غَيْرُ الْقَوْلِ الْقَدِيمِ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ الْقَاصِّ فَإِنَّ ذَاكَ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ النَّجَاسَةِ الْجَامِدَةِ وَالْمَائِعَةِ
 وَاحْتَجَّ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ لِهَذَا بِأَنَّ الاولين لم يزالوا يتوضؤن مِنْ الْأَنْهَارِ الصَّغِيرَةِ أَسْفَلَ مِنْ الْمُسْتَنْجِينَ وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ قَوِيٌّ وَأَجَابَ الْإِمَامُ عَنْ حَدِيثِ القلتين بان مَجْمُوعَ الْمَاءِ الَّذِي فِي هَذَا النَّهْرِ يَزِيدُ علي قلتين وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَارِي وَالرَّاكِدِ وَكَذَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ وضوء الاولين فلم يثبت أنهم كانوا يتوضؤن تَحْتَ الْمُسْتَنْجِينَ وَلَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَنْجُونَ فِي نَفْسِ الْمَاءِ وَقَوْلُهُ الْجِرْيَةُ هِيَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَهِيَ الدُّفْعَةُ الَّتِي بَيْنَ حَافَّتَيْ النَّهْرِ فِي الْعَرْضِ هَكَذَا فَسَّرَهَا أَصْحَابُنَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ الَّذِي يُحِيطُ بِهَا قُلَّتَيْنِ فَهُوَ طَاهِرٌ فَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَلَهُ أَنْ يَتَطَهَّرَ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ أَرَادَ وَلَوْ مِنْ نَفْسِ النَّجَاسَةِ وَلَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وقيل يجئ الْخِلَافُ فِي التَّبَاعُدِ حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ وَحَكَاهُ الْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ قَالَ الامام وقال الاكثرون لا يجئ ذَلِكَ الْخِلَافُ لِأَنَّ جَرَيَانَ الْمَاءِ يَمْنَعُ انْتِشَارَ النَّجَاسَةِ ثُمَّ اخْتَارَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالْوَسِيطِ أَنَّهُ يَجِبُ اجْتِنَابُ حَرِيمِ النَّجَاسَةِ فِي الْجَارِي وَهُوَ مَا يُنْسَبُ إلَيْهَا وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْغَزَالِيَّ فِي الْوَسِيطِ أَوْجَبَ اجْتِنَابَ حَرِيمِ الرَّاكِدِ أَيْضًا فَفَرَّقَ فِي الْبَسِيطِ بَيْنَ الْحَرِيمَيْنِ فاوجب اجتنابه في الجارى دون الراكد وكذا فَرَّقَ شَيْخُهُ قَالَ لِأَنَّ الرَّاكِدَ لَا حَرَكَةَ لَهُ حَتَّى يَنْفَصِلَ الْبَعْضُ عَنْ الْبَعْضِ فِي الْحُكْمِ وَالْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ اجْتِنَابُ الْحَرِيمِ لَا فِي الْجَارِي وَلَا فِي الرَّاكِدِ وَكَذَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ وَجَعَلَهُ الْمَذْهَبَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا كانت الجرية التي فيها النجاسة دون قلتين وَقُلْنَا إنَّهَا نَجِسَةٌ فَقَالَ الْبَغَوِيّ مَحَلُّ النَّجَاسَةِ مِنْ الْمَاءِ وَالنَّهْرِ نَجِسٌ وَالْجِرْيَةُ الَّتِي تَعْقُبُهَا تَغْسِلُ الْمَحَلَّ فَهِيَ فِي حُكْمِ غُسَالَةِ النَّجَاسَةِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ نَجَاسَةَ كَلْبٍ فَلَا بُدَّ مِنْ سَبْعِ جِرْيَاتٍ عَلَيْهَا وَقَوْلُهُ فِي النَّجَاسَةِ الْوَاقِفَةِ إنْ كَانَ مَا يَجْرِي عَلَيْهَا قُلَّتَيْنِ فَطَاهِرٌ يَعْنِي إنْ كَانَتْ الْجِرْيَةُ قُلَّتَيْنِ وَكَذَا كُلُّ جِرْيَةٍ هِيَ قُلَّتَانِ لَا تَغَيُّرَ فِيهَا فهي طاهرة وقوله ان كان دُونَهُ فَنَجِسٌ يَعْنِي عَلَى الصَّحِيحِ الْجَدِيدِ وَأَمَّا عَلَى الْقَدِيمِ أَنَّ الْجَارِيَ لَا يَنْجَسُ إلَّا بالتغير فهو طاهر وقوله ولا يطهرشئ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَرْكُدَ فِي مَوْضِعٍ فَيَبْلُغُ قلتين وقال أبو إسحق وَابْنُ الْقَاصِّ إلَى قَوْلِهِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ هَذَا الَّذِي صَحَّحَهُ هُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ أَصْحَابُنَا الْمُصَنِّفُونَ وهو قال أَكْثَرِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَعَلَى هَذَا لَا يَزَالُ نَجِسًا وَإِنْ امْتَدَّ فَرَاسِخَ وَبَلَغَ مَجْمُوعُهُ أَلْفَ قُلَّةٍ وَقَدْ يُقَالُ مَاءٌ بَلَغَ أَلْفَ قُلَّةٍ لَا تَغَيُّرَ فِيهِ وَهُوَ مَحْكُومٌ بنجاسته وهذا صُورَتُهُ وَيُقَالُ مَاءٌ بَلَغَ أَلْفَ قُلَّةٍ وَلَا تَغَيُّرَ فِيهِ وَهُوَ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ لَا يَصِحُّ الْوُضُوءُ بِبَعْضِهِ  وَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ فِي مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ التى تمعط شَعْرُ الْفَأْرَةِ كَمَا سَنُوَضِّحُهَا فِي مَسَائِلِ الْفَرْعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(فَرْعٌ)
لَوْ كَانَتْ جِرْيَةً نَجِسَةً لِمُرُورِهَا عَلَى نَجَاسَةٍ وَاقِفَةٍ أَوْ لِوُقُوعِ نَجَاسَةٍ مَائِعَةٍ فِيهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَاتَّصَلَتْ بِمَاءٍ رَاكِدٍ تَبْلُغُ بِهِ قُلَّتَيْنِ إلَّا أَنَّهَا لَمْ تَخْتَلِطْ بِهِ لِكَوْنِ أَحَدِهِمَا صَافِيًا وَالْآخَرِ كَدِرًا حُكِمَ بِطَهَارَةِ الْجَمِيعِ بِلَا خِلَافٍ بِمُجَرَّدِ الِاتِّصَالِ كَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا لِحَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ قَالُوا وَلِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِاجْتِمَاعِ الْمَاءِ الْكَثِيرِ فِي مَكَان وَاحِدٍ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ وَكَذَا لَوْ كَانَ قُلَّتَانِ صَافِيَةٌ وَكَدِرَةٌ إحْدَاهُمَا نَجِسَةٌ غَيْرُ مُتَغَيِّرَةٍ بِالنَّجَاسَةِ فَجَمَعَهُمَا وَبَقِيَ الْكَدَرُ مُتَمَيِّزًا غَيْرَ مُمْتَزِجٍ حُكِمَ بِطَهَارَةِ الْجَمِيعِ بِلَا خِلَافٍ.

(فَرْعٌ)
ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي يُصَبُّ عَلَى نَجَاسَةٍ مِنْ إبْرِيقٍ لَا يَنْجَسُ وَمُرَادُهُ الَّذِي يَتَّصِلُ طَرَفُهُ بِالنَّجَاسَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ الْمَاءُ مُتَّصِلًا مِنْ الْإِبْرِيقِ إلَى النَّجَاسَةِ وَإِنَّمَا لَا يَنْجَسُ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَنْعَطِفُ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ فِي مَسْأَلَةِ عَضِّ الْكَلْبِ الْمَاءُ الْمُتَصَعِّدُ مِنْ فَوَّارَةٍ إذَا وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ عَلَى أَعْلَاهُ لَا يَنْجَسُ مَا تَحْتَهُ وَنَحْوُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي الْفَتَاوَى قَالَ لَوْ كَانَ كُوزٌ يُبَزُّ الْمَاءُ مِنْ أَسْفَلِهِ فَوُضِعَ أَسْفَلُهُ عَلَى نَجَاسَةٍ لَا يَنْجَسُ الْمَاءُ لِأَنَّ خُرُوجَ الْمَاءِ يَمْنَعُ النَّجَاسَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .(المجموع 1/143-145)

Wednesday, 28 September 2016

حكم تطهير الماء الذي وقعت فيه النجاسة

 حكم تطهير الماء الذي وقعت فيه النجاسة

قال المصنف رحمه الله
"وَإِذَا أَرَادَ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ وَحَكَمَ بِطَهَارَتِهِ نَظَرْتَ فَإِنْ كَانَ دُونَ قلتين وحكم بطهارته بالمكاثرة لم يجز الوضؤ بِهِ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا فَهُوَ غَيْرُ مُطَهِّرٍ لِأَنَّ الْغَلَبَةَ لِلْمَاءِ الَّذِي غَمَرَهُ وَهُوَ مَاءٌ أُزِيلَ بِهِ النَّجَاسَةُ فَلَمْ يَصْلُحْ لِلطَّهَارَةِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قُلَّتَيْنِ نَظَرْتَ فَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ جَامِدَةً فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ تَجُوزُ الطَّهَارَةُ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِلنَّجَاسَةِ الْقَائِمَةِ فَكَانَ وُجُودُهَا كَعَدَمِهَا وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ وَأَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْقَاصِّ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّجَاسَةِ قُلَّتَانِ فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّجَاسَةِ أَقَلُّ مِنْ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ لا حاجة إلى استعمال ما فِيهِ نَجَاسَةٌ قَائِمَةٌ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ وَفِيهِ نَجَاسَةٌ قَائِمَةٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ: قَالَ أَبُو إسحاق لا تَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ لِأَنَّهُ مَاءٌ وَاحِدٌ فَإِذَا كَانَ مَا يَبْقَى بَعْدَ مَا غُرِفَ نَجِسًا وجب أن يكون الذى غرفة نَجِسًا وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّ مَا يُغْرَفُ مِنْهُ يَنْفَصِلُ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يُحْكَمَ بِنَجَاسَتِهِ فبقى على الطهارة وان كانت النجاسة ذائبة جَازَتْ الطَّهَارَةُ بِهِ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ لَا يَتَطَهَّرُ بِالْجَمِيعِ بَلْ يَبْقَى مِنْهُ قَدْرُ النَّجَاسَةِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ تَمْرَةً فَاخْتَلَطَتْ بِتَمْرٍ كَثِيرٍ أَنَّهُ يَأْكُلُ الْجَمِيعَ إلَّا تَمْرَةً وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَتَمَيَّزُ بَلْ تَخْتَلِطُ بِالْجَمِيعِ فَلَوْ وَجَبَ تَرْكُ بَعْضِهِ لَوَجَبَ تَرْكُ جميعه بخلاف التمر."

قال الامام النووي رحمه الله
الشَّرْحُ: أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى وَهِيَ إذَا حَكَمْنَا بِطَهَارَةِ الْمَاءِ النَّجِسِ بِالْمُكَاثَرَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْلُغَ قُلَّتَيْنِ فَقَدْ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَهُورٍ وَهَكَذَا قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ لَا تَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ فَأَمَّا إذَا قُلْنَا بِقَوْلِ الْأَنْمَاطِيِّ إنَّ الْمُسْتَعْمَلَ فِي النَّجَسِ يُسْتَعْمَلُ فِي الْحَدَثِ فَيَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ هُنَا فَإِنَّهَا هِيَ الْمَسْأَلَةُ بِعَيْنِهَا وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا صَاحِبُ الْحَاوِي وَآخَرُونَ وَصَرَّحُوا بِهِ.
 وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ إذَا كَانَ الْمَاءُ أَكْثَرَ مِنْ قُلَّتَيْنِ وَفِيهِ نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ فَقَدْ ذَكَرَ وَجْهَيْنِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّبَاعُدُ بَلْ تَجُوزُ الطَّهَارَةُ مِنْهُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ: وَالثَّانِي يَجِبُ التَّبَاعُدُ عَنْ النَّجَاسَةِ بِقَدْرِ قُلَّتَيْنِ وَهَذَا الْخِلَافُ مَشْهُورٌ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ لَكِنْ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْبَغَوِيُّ حَكَوْهُ وَجْهَيْنِ كَمَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ: وَحَكَاهُ جُمْهُورُ الْخُرَاسَانِيِّينَ قَوْلَيْنِ الْجَدِيدُ يَجِبُ التَّبَاعُدُ
وَالْقَدِيمُ لَا يَجِبُ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّبَاعُدُ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ وَعَامَّةِ أَصْحَابِنَا قَالَ الْخُرَاسَانِيُّونَ وَهَذِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُفْتَى فِيهَا عَلَى الْقَدِيمِ: وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ بَيَانَهَا وَحُكْمَهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا: وَقَدْ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ النُّونِ وَبِالْجِيمِ أن الشافعي نص في كتابه اختلاف وهو من كتبه الجديدة عَلَى مُوَافَقَةِ الْقَدِيمِ وَحِينَئِذٍ لَا يَسْلَمُ كَوْنُ الْإِفْتَاءِ هُنَا بِالْقَدِيمِ: قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا شَرَطْنَا التَّبَاعُدَ لَا بُدَّ مِنْ رِعَايَةِ التَّنَاسُبِ فِي الْأَبْعَادِ فَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى وَجْهِ الْبَحْرِ فَتَبَاعَدَ شِبْرًا لِيَحْسِبَ عُمْقَ الْبَحْرِ وَحِينَئِذٍ يَزِيدُ عَلَى قُلَّتَيْنِ لَمْ يَكْفِهِ ذَلِكَ بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَتَبَاعَدَ قَدْرًا لَوْ حُسِبَ مِثْلُهُ فِي الْعُمْقِ وَسَائِرِ الْجَوَانِبِ لَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ يَكُونَ مَاءُ الْقُلَّتَيْنِ حَائِلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّجَاسَةِ وَالْعُمْقُ الزَّائِدُ لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ  وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مُنْبَسِطًا فِي عُمْقِ شِبْرٍ فَلْيَتَبَاعَدْ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ بِنِسْبَتِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا هَكَذَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْأَكْثَرُونَ: وَحَكَى الْمُتَوَلِّي فِيهِ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالثَّانِي يُعْتَبَرُ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِ النجاسة سوى الْجِهَةُ الَّتِي يَغْتَرِفُ مِنْهَا وَغَيْرُهَا وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لِلْمُسْتَقِي بِبَاقِي الْجِهَاتِ وَإِذَا أَوْجَبْنَا التَّبَاعُدَ هَلْ يَكُونُ الْمَاءُ الْمُجْتَنَبُ نَجِسًا أَمْ طَاهِرًا مُنِعَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ: فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا طَاهِرٌ مُنِعَ اسْتِعْمَالُهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجَسْ وَبِهَذَا قَطَعَ كَثِيرُونَ وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ آخَرِينَ مِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ الْمَجْمُوعُ وَالتَّجْرِيدُ وَأَصْحَابُ الْحَاوِي وَالشَّامِلِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَنَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ أَبُو حامد الاسفراينى وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ: وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ بِأَنَّهُ نَجِسٌ حَتَّى قَالَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ لَوْ كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَقَطْ كَانَ نَجِسًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وهذا الْقَوْلِ وَهَذَا ضَعِيفٌ أَوْ غَلَطٌ مُنَابِذٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجَسْ وَأَمَّا إذَا قُلْنَا لَا يُشْتَرَطُ التَّبَاعُدُ فَلَهُ أَنْ يَتَطَهَّرَ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ مِنْهُ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ واتفقوا عليه: قال الماوردي لو ان يستعمل منه اقر به إلَى النَّجَاسَةِ وَأَلْصَقَهُ
بِهَا: وَخَالَفَهُمْ الْغَزَالِيُّ فَقَالَ فِي الْوَسِيطِ يَجِبُ التَّبَاعُدُ عَنْ حَرِيمِ النَّجَاسَةِ وَهُوَ مَا تَغَيَّرَ شَكْلُهُ بِسَبَبِ النَّجَاسَةِ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ شَاذٌّ مَتْرُوكٌ مُخَالِفٌ لِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ: وَقَدْ صَرَّحَ هُوَ فِي الْبَسِيطِ بِمُوَافَقَةِ الْأَصْحَابِ فَقَطَعَ بِأَنَّ الرَّاكِدَ لَا حَرِيمَ لَهُ يُجْتَنَبُ: وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ شَيْخُهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ النِّهَايَةِ فِي هَذَا الْبَابِ: وَقَالَ لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ مِنْ قُرْبِ النجاسة: قال وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ تَرَادَّ الْمَاءِ يُوجِبُ تَسَاوِيَ أَجْزَائِهِ فِي النَّجَاسَةِ فَالْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ سَوَاءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
 وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَهِيَ إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَقَطْ وَفِيهِ نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ فَفِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَاتَّفَقَ الْمُصَنِّفُونَ عَلَى أَنَّ الْأَصَحَّ الْجَوَازُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرَهُ: وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ حكاه المصنف والاصحاب عن أبي اسحق: وَحَكَاهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ عَنْهُ وَعَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ: ثُمَّ إنَّ اسْتِعْمَالَ هَذَا الْمَاءِ يَحْتَاجُ إلَى فِقْهٍ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ اسْتِعْمَالَ مَا يَغْرِفُهُ بِدَلْوٍ مَثَلًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَغْمِسَ الدَّلْوَ فِي الماء غمسة واحدة ولا يغترف فيه النَّجَاسَةِ ثُمَّ يَرْفَعَهُ فَيَكُونَ بَاطِنُ الدَّلْوِ وَمَا فِيهِ مِنْ الْمَاءِ طَاهِرًا وَيَكُونَ ظَاهِرُ الدَّلْوِ وَالْبَاقِي بَعْدَ الْمَغْرُوفِ نَجِسًا: أَمَّا نَجَاسَةُ الْبَاقِي فَلِأَنَّ فِيهِ نَجَاسَةً وَقَدْ نَقَصَ عَنْ قُلَّتَيْنِ: وأما نجاسة ظاهر الدلو فلملا صقة الْمَاءِ النَّجِسِ وَهُوَ الْبَاقِي بَعْدَ الْمَغْرُوفِ وَإِنَّمَا حَكَمْنَا بِطَهَارَةِ مَا فِي الدَّلْوِ لِأَنَّهُ انْفَصَلَ عَنْ الْبَاقِي قَبْلَ أَنْ يَنْقُصَ عَنْ قُلَّتَيْنِ وَإِنَّمَا نَقَصَ بَعْدَ انْفِصَالِ الْمَأْخُوذِ فَلَوْ خَالَفَ وَأَدْخَلَ الْمَاءَ فِي الدَّلْوِ شَيْئًا فَشَيْئًا فَالْجَمِيعُ نَجِسٌ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ حِينَ دَخَلَ أَوَّلُ شئ فِي الدَّلْوِ نَقَصَ الْبَاقِي عَنْ قُلَّتَيْنِ فَصَارَ نَجِسًا فَإِذَا نَزَلَتْ الدُّفْعَةُ الثَّانِيَةُ فِي الدَّلْوِ وَهِيَ نَجِسَةٌ تُنَجِّسُ مَا فِي الدَّلْوِ فَصَارَ الْجَمِيعُ نَجِسًا: فَطَرِيقُهُ بَعْدَ هَذَا إلَى طَهَارَتِهِ أَنْ يَصُبَّهُ فِي الْبَاقِي أَوْ يَغْمِسَهُ غَمْسَةً وَاحِدَةً حَتَّى يَغْمُرَهُ الْمَاءُ وَيَمْكُثَ لَحْظَةً وَهُوَ وَاسِعُ الرَّأْسِ فَيَطْهُرُ الْجَمِيعُ فَإِذَا فَصَلَ الدَّلْوَ كَانَ بَاطِنُهُ وَمَا فِيهِ طَاهِرًا وَيَكُونُ الْبَاقِي وَظَاهِرُ الدَّلْوِ نَجِسًا لِمَا سَبَقَ: أَمَّا إذَا أَرَادَ اسْتِعْمَالَ مَا يَبْقَى بَعْدَ الْغَرْفِ فَيُنْظَرُ ان أخذها وخدها فِي الدَّلْوِ فَالْبَاقِي قُلَّتَانِ فَهُوَ طَاهِرٌ بِلَا خلاف وابو اسحق يُوَافِقُ عَلَى هَذَا لِأَنَّهُ قُلَّتَانِ وَلَيْسَ فِيهِ نجاسة: وان أخذ النجاسة مع شئ مِنْ الْمَاءِ فَإِنْ أَخَذَهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً فَبَاطِنُ الدَّلْوِ وَمَا فِيهِ نَجِسٌ وَظَاهِرُهُ وَمَا بَقِيَ طَاهِرٌ: أَمَّا نَجَاسَةُ بَاطِنِ الدَّلْوِ وَمَا فِيهِ فَلِكَوْنِهِ مَاءً يَسِيرًا فِيهِ نَجَاسَةٌ: وَأَمَّا طَهَارَةُ الْبَاقِي فَلِانْفِصَالِ النَّجَاسَةِ عَنْهُ قَبْلَ نَقْصِهِ عَنْ قُلَّتَيْنِ فَبَقِيَ عَلَى طَهَارَتِهِ: قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ قَطَرَ مِنْ الدَّلْوِ إلَى الْمَاءِ الْبَاقِي قَطْرَةً نُظِرَ إنْ كَانَتْ مِنْ ظَاهِرِ الدَّلْوِ فَالْبَاقِي عَلَى طَهَارَتِهِ لِأَنَّ ظَاهِرَ الدَّلْوِ طَاهِرٌ: وَإِنْ كَانَتْ مِنْ بَاطِنِهِ صَارَ الْبَاقِي نَجِسًا: وَإِنْ شَكَّ فَالْبَاقِي عَلَى طَهَارَتِهِ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ وَاضِحٌ: فَإِنْ تَنَجَّسَ الْبَاقِي وَأَرَادَ تَطْهِيرَهُ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَصُبَّهُ فِيهِ أَوْ يَرُدَّ الدَّلْوَ وَيَغْمِسَهُ فِيهِ عَلَى مَا سَبَقَ: قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يخرج النجاسة أو لا ثُمَّ يَغْمِسَ الدَّلْوَ لِيَكُونَ طَهُورًا بِلَا خِلَافٍ ويخرج من خلاف أبي اسحق وَمِنْ مُرَاعَاةِ هَذِهِ الدَّقَائِقِ: وَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لَهُ فِي مَسْأَلَةِ التَّبَاعُدِ أَيْضًا: وَلَوْ اخْتَطَفَ النَّجَاسَةَ أولا ثم نزل عليها من الماء شئ فَبَاطِنُ الدَّلْوِ وَمَا فِيهِ مِنْ الْمَاءِ نَجِسٌ وَظَاهِرُهُ طَاهِرٌ وَكَذَا الْبَاقِي مِنْ الْمَاءِ وَهَذِهِ الصُّورَةُ فِي النَّقْصِ عَنْ قُلَّتَيْنِ مَحْمُولَةٌ عَلَى نَقْصٍ يُؤَثِّرُ سَوَاءٌ قُلْنَا الْقُلَّتَانِ خَمْسُمِائَةٍ تَحْدِيدًا أَوْ تَقْرِيبًا: وَفِي الدَّلْوِ لُغَتَانِ التَّأْنِيثُ وَالتَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ أَفْصَحُ.
وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا هُنَا لِئَلَّا ينكر استعمالنا لها مذكرة مَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا المسألة الرابعة وهى انما وَقَعَ فِي قُلَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ نَجَاسَةٌ ذَائِبَةٌ فَفِيهَا الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ جَمِيعِهِ: وَالثَّانِي يَجِبُ تَبْقِيَةُ قَدْرِ النَّجَاسَةِ وَلَمْ يُسَمِّ الْجُمْهُورُ قَائِلَ هَذَا الْوَجْهِ وَسَمَّاهُ الدَّارِمِيُّ فَقَالَ حَكَاهُ ابْنُ الْقَطَّانِ عَنْ ابْنِ مَيْمُونٍ قَالَ أَصْحَابُنَا هَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ وَأَبْطَلُوهُ بِمَا أَبْطَلَهُ بِهِ الْمُصَنِّفُ قَالُوا لِأَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ الْبَاقِيَ لَيْسَ عَيْنَ النَّجَاسَةِ فَلَا فَائِدَةَ فِي تَرْكِهِ بَلْ إنْ وجب ترك شئ وَجَبَ تَرْكُ الْجَمِيعِ: فَلَمَّا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَرْكُ الْجَمِيعِ وَجَبَ أَنْ يُقَالَ يُسْتَعْمَلُ الْجَمِيعُ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ اُسْتُهْلِكَتْ: وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ الذَّائِبَةُ قَلِيلَةً لَمْ تُغَيِّرْ الْمَاءَ مَعَ مُخَالَفَتِهَا لَهُ فِي صِفَاتِهِ أَوْ كَانَتْ مُوَافِقَةً لَهُ فِي صِفَاتِهِ وَكَانَتْ بِحَيْثُ لَوْ قُدِّرَتْ مُخَالَفَةٌ لَهُ لَمْ تُغَيِّرْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا فِي آخِرِ الْبَابِ الْأَوَّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
إنْ قِيلَ مَا الْفَائِدَةُ في حكاية المصنف مذهب أبي اسحق فِيمَا إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَقَطْ وَنَحْنُ قَدْ عَرَفْنَا مَذْهَبَهُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَإِنَّهُ اُشْتُرِطَ التَّبَاعُدُ عَنْ النَّجَاسَةِ بِقُلَّتَيْنِ فَيُعْلَمُ بِهَذَا أَنَّهُ إذَا كَانَ قُلَّتَيْنِ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ بِفَقْدِ الشَّرْطِ وَهُوَ التَّبَاعُدُ: فَالْجَوَابُ أَنَّ أَبَا اسحق يَقُولُ هُنَا لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ هُنَاكَ لِمَعْنًى هُنَا وَهُوَ مَا عَلَّلَ بِهِ.(المجموع 1/138-142)

قاعدة: الفرق بين الوارد والمورود

قاعدة: الفرق بين الوارد والمورود

وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ الْمَاءَ إنَّمَا يَنْجَسُ بِالنَّجَاسَةِ إذَا وَرَدَتْ عَلَيْهِ وَهُنَا وَرَدَ عَلَيْهَا فَلَمْ يَنْجَسْ فَفِيهِ بَيَانُ قَاعِدَةٍ لَنَا مَعْرُوفَةٍ وَهِيَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَارِدِ وَالْمَوْرُودِ وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ أَخَذَهَا أَصْحَابُنَا مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ منامه فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا فانه لا يدرى أبن بَاتَتْ يَدُهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَبَيَانُ الْقَاعِدَةِ وَسَنُعِيدُهُ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ صِفَةِ الْوُضُوءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى 

 وَلَنَا وَجْهٌ أَنَّ الثَّوْبَ النَّجِسَ إذَا أُورِدَ عَلَى الْمَاءِ بِنِيَّةِ غَسْلِهِ لَمْ يَنْجَسْ الْمَاءُ بَلْ يَطْهُرْ الثَّوْبُ وَهَذَا الْقَائِلُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَارِدِ وَالْمَوْرُودِ وَسَنُوَضِّحُهُ مَعَ الْقَاعِدَةِ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى وبالله التوفيق(المجموع 1/138)

مسائل اذا كاثر الماء الذي فيه النجاسة فبلغ فلتين

مسائل اذا كاثر الماء الذي فيه النجاسة فبلغ فلتين

قال المصنف رحمه الله
"وان كانت نجاسته بالقلة بان يكون دون القلتين طهربان ينضاف إليه ماء(آخر) حَتَّى يَبْلُغَ قُلَّتَيْنِ وَيَطْهُرُ بِالْمُكَاثَرَةِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ كَالْأَرْضِ النَّجِسَةِ إذَا طُرِحَ عَلَيْهَا ماء حتى غمر النجاسة: ومن أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ لَا يَطْهُرُ لِأَنَّهُ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ وَفِيهِ نَجَاسَةٌ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ: لِأَنَّ الْمَاءَ إنَّمَا يَنْجَسُ بِالنَّجَاسَةِ إذَا وَرَدَتْ عليه: وههنا وَرَدَ الْمَاءُ عَلَى النَّجَاسَةِ فَلَمْ يَنْجَسْ: إذْ لو نجس لم يطهر الثوب إذا صب عليه الماء أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ لَا يَطْهُرُ لِأَنَّهُ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ وَفِيهِ نَجَاسَةٌ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ: لِأَنَّ الْمَاءَ إنَّمَا يَنْجَسُ بِالنَّجَاسَةِ إذَا وَرَدَتْ عليه: وههنا وَرَدَ الْمَاءُ عَلَى النَّجَاسَةِ فَلَمْ يَنْجَسْ: إذْ لو نجس لم يطهر الثوب إذا صب عليه الماء."

* قال الامام النووي رحمه الله
الشَّرْحُ أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى وَهِيَ إذَا كَاثَرَهُ فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ فَيَصِيرُ طَاهِرًا مُطَهِّرًا بِلَا خِلَافٍ سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي أَوْرَدَهُ عَلَيْهِ طَاهِرًا أَوْ نَجِسًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا فَلَوْ فَرَّقَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُؤَثِّرْ التَّفْرِيقُ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ: وَكَذَا لَوْ كَانَ مَعَهُ قُلَّتَانِ مُتَفَرِّقَتَانِ نَجِسَتَانِ فَجَمَعَهُمَا وَلَا تَغَيُّرَ فِيهِمَا صَارَتَا طَاهِرَتَيْنِ: فَإِنْ فُرِّقَتَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُمَا عَلَى طَهُورِيَّتِهِمَا: كَمَا لَوْ وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ مَائِعَةٌ فِي قُلَّتَيْنِ وَلَمْ تُغَيِّرْهُمَا ثُمَّ فُرِّقَتَا فَإِنَّهُمَا عَلَى الطَّهُورِيَّةِ بِلَا خِلَافٍ: هَذَا مَذْهَبُنَا: وَقَالَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ إذَا جَمَعَ الْقُلَّتَيْنِ النَّجِسَتَيْنِ لَمْ تَطْهُرَا لِأَنَّ النَّجِسَتَيْنِ لَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُمَا طَاهِرٌ: كَالْمُتَوَلِّدِ مِنْ كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ
* وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ: وَيُخَالِفُ مَا ذَكَرُوهُ فَإِنَّ لِلْمَاءِ قُوَّةً وَغَايَةً إذَا وَصَلَهَا لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ نَجَاسَةٌ بِخِلَافِ مَا ذَكَرُوهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

إذَا كُوثِرَ بِالْمَاءِ وَلَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ
* وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ إذَا كُوثِرَ بِالْمَاءِ وَلَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ فَهَلْ يَطْهُرُ فِيهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَذَكَرَ دَلِيلَهُمَا: وَهِمَا مَشْهُورَانِ: لَكِنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَسَائِرِ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُ يَطْهُرُ: وَبِهِ قَطَعَ مِنْهُمْ شَيْخُهُمْ أَبُو حَامِدٍ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ: وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ لَا يَطْهُرُ: وَبِهِ قَطَعَ مِنْهُمْ الْقَاضِي حُسَيْنٌ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنْ صَحَّ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ قَوْلُهُ الطَّهَارَةُ فَهُوَ مِنْ هَفَوَاتِهِ: إذْ لَا مَعْنَى لِغَسْلِ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْلُغَ قُلَّتَيْنِ: قَالَ فَلَا يَتَمَارَى فِي فَسَادِهِ وَكَذَا صَحَّحَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ عَدَمَ الطَّهَارَةِ وَهُوَ الْأَرْجَحُ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ فَهُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَصْلِ بَعْدَهُ. وَسَنُوضِحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
 قَالَ الْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ في اشتراط عصر الثواب النَّجِسِ إذَا غُسِلَ: قَالُوا وَوَجْهُ الْبِنَاءِ أَنَّ الْمَاءَ الْوَارِدَ عَلَى النَّجَاسَةِ مُزِيلٌ لَهَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَرِدَ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ ماء نجس، والو جهان فِي الْعَصْرِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْغُسَالَةَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْغَسْلِ طَاهِرَةٌ أَمْ لَا. وَفِيهِ الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ، قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ نَجِسًا بِالتَّغَيُّرِ فَكَاثَرَهُ فَزَالَ التَّغَيُّرُ وَلَمْ يَبْلُغْ قلتين فَهُوَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ: ثُمَّ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نحن فيها أن يكون الماء الطاهر واردا عَلَى الْمَاءِ النَّجِسِ، وَأَنْ يَكُونَ مُطَهِّرًا وَأَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ النَّجِسِ فَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ لَمْ يَطْهُرْ بِلَا خِلَافٍ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أبو علي السنجي وامام الحرمين والبغوى وَآخَرُونَ وَهُوَ مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ 

 (وَيَطْهُرُ بالمكاثرة) ونبه عليه أيضا بقوله في الفصل الذي بعده (لِأَنَّ الْغَلَبَةَ لِلْمَاءِ الَّذِي غَمَرَهُ) وَذَكَرَ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ ثُمَّ الشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَبِهِ أَجَابَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْوَارِدِ سَبْعَةَ أَضْعَافِ النَّجِسِ وَهَذَا شَاذٌّ وَغَلَطٌ نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ وَيُظَنَّ غَفْلَتُنَا عَنْهُ: وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ وَجْهٍ لَنَا شَاذٍّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ النَّجَاسَةُ سَبْعَةَ أَمْثَالِهَا: وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَنُوَضِّحُ ضَعْفَهُ وَبُطْلَانَهُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي التَّعْلِيقِ فَإِنْ قِيلَ حَيْثُ حَكَمْتُمْ بِطَهَارَةِ هَذَا الْمَاءِ يَنْبَغِي أَنْ تَقُولُوا إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ كَاثَرَهُ بِهِ أَنْ يَطْهُرَ الْمَاءُ وَالْإِنَاءُ يَعْنَى وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ قُلْنَا مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ يَطْهُرُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يَطْهُرُ حَتَّى يَبْلُغَ قُلَّتَيْنِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا
(فَرْعٌ)
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ إذَا كُوثِرَ الْمَاءُ فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ طَهُرَ بِلَا خِلَافٍ وَذَكَرْنَا أَنَّهُ سَوَاءٌ كُوثِرَ بِمَاءٍ طَاهِرٍ أو نجس كثير او قليل وَلَوْ كُوثِرَ الْمَاءُ النَّجِسُ بِبَوْلٍ أَوْ مَاءِ وَرْدٍ أَوْ عَرَقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ليس بماء فبلغ به قلتين ولا تغير فِيهِ فَالْجَمِيعُ نَجِسٌ بِلَا خِلَافٍ
وَطَرِيقُهُ فِي طَهَارَتِهِ بَعْدَ هَذَا أَنْ يُصَبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ آخَرُ حَتَّى يَبْلُغَ بِهِ قُلَّتَيْنِ طَاهِرًا كَانَ الْمُضَافُ أَوْ نَجِسًا وَلَوْ كُوثِرَ النَّجِسُ بِمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَاهُ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ أَحَدُهُمَا يَكُونُ الْجَمِيعُ نَجِسًا لِأَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ كَالْمَائِعِ فَصَارَ كَالْعَرَقِ وَأَصَحُّهُمَا يَصِيرُ الْجَمِيعُ مُطَهِّرًا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا" وَهَذَا كُلُّهُ مَاءٌ وَقَدْ بَلَغَ قُلَّتَيْنِ وَبَنَى الْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي الْوَجْهَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ هَلْ يَعُودُ طَهُورًا إنْ قُلْنَا نَعَمْ فَهَذَا طَهُورٌ وَإِلَّا فَنَجِسٌ وَلَوْ كُوثِرَ مَاءٌ مُتَغَيِّرٌ بِزَعْفَرَانٍ وَنَحْوِهِ فَزَالَ تَغَيُّرُهُ الَّذِي كَانَ بِالزَّعْفَرَانِ فَهُوَ طَهُورٌ فَإِنْ وَقَعَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ نَجَاسَةٌ لَمْ تُنَجِّسْهُ  قَالَ الرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ مِنْ الْمَاءِ الطَّاهِرِ قُلَّتَانِ إلَّا كُوزًا فَصَبَّ عَلَيْهِ كُوزَ مَاءٍ متغير بِزَعْفَرَانٍ وَنَحْوِهِ ثُمَّ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَمْ يَنْجَسْ فَهَذَا تَحْقِيقُ مَذْهَبِنَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
 بهتان اخترع بعض الناس علي مذهب الشافعي
 وَأَمَّا مَا يَخْتَرِعُهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةَ وَيَقُولُ إنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ قُلَّتَيْنِ إلَّا كُوزًا فَكَمَّلَهُ بِبَوْلٍ طَهُرَ فَبُهْتَانٌ لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ شَيْخُ الْأَصْحَابِ إذَا كَمَّلَهُ بِبَوْلٍ أَوْ نَجَاسَةٍ أُخْرَى فَالْجَمِيعُ نَجِسٌ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الشَّافِعِيِّينَ وَقَالَ وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ يَحْكُونَ عَنَّا مَا لَيْسَ مَذْهَبًا لَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قاعدة الفرق بين الواؤد والمورود

وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ الْمَاءَ إنَّمَا يَنْجَسُ بِالنَّجَاسَةِ إذَا وَرَدَتْ عَلَيْهِ وَهُنَا وَرَدَ عَلَيْهَا فَلَمْ يَنْجَسْ فَفِيهِ بَيَانُ قَاعِدَةٍ لَنَا مَعْرُوفَةٍ وَهِيَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَارِدِ وَالْمَوْرُودِ وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ أَخَذَهَا أَصْحَابُنَا مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ منامه فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا فانه لا يدرى أبن بَاتَتْ يَدُهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَبَيَانُ الْقَاعِدَةِ وَسَنُعِيدُهُ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ صِفَةِ الْوُضُوءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى 

 وَلَنَا وَجْهٌ أَنَّ الثَّوْبَ النَّجِسَ إذَا أُورِدَ عَلَى الْمَاءِ بِنِيَّةِ غَسْلِهِ لَمْ يَنْجَسْ الْمَاءُ بَلْ يَطْهُرْ الثَّوْبُ وَهَذَا الْقَائِلُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَارِدِ وَالْمَوْرُودِ وَسَنُوَضِّحُهُ مَعَ الْقَاعِدَةِ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى وبالله التوفيق
(المجموع 1/135-138)

اذا طرح في الماء تراب او جص

اذا طرح في الماء تراب او جص

قال المصنف رحمه الله
 "وَإِنْ طُرِحَ فِيهِ تُرَابٌ أَوْ جِصٌّ فَزَالَ التَّغَيُّرُ فَفِيهِ قَوْلَانِ: قَالَ فِي الْأُمِّ لَا يَطْهُرُ كَمَا لَا يَطْهُرُ إذَا طُرِحَ فِيهِ كَافُورٌ أَوْ مِسْكٌ فَزَالَتْ رَائِحَةُ النَّجَاسَةِ وَقَالَ فِي حَرْمَلَةَ يَطْهُرُ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ قد زال فصار بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَاءٍ آخَرَ وَيُفَارِقُ الْكَافُورَ وَالْمِسْكَ لِأَنَّ هُنَاكَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الرَّائِحَةُ بَاقِيَةً وَإِنَّمَا لَمْ تَطْهُرْ لِغَلَبَةِ رَائِحَةِ الْكَافُورِ وَالْمِسْكِ"
قال الامام النووي رحمه الله
الشَّرْحُ: هَذَانِ الْقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ أَحَدَهُمَا فِي الْأُمِّ وَالْآخَرَ فِي حَرْمَلَةَ وَكَذَا قاله المحاملى في المجموع
* وقال القاضى أبي الطَّيِّبِ الْقَوْلَانِ نَقَلَهُمَا حَرْمَلَةُ وَنَقَلَهُمَا الْمُزَنِيّ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ هَذَانِ الْقَوْلَانِ نَقَلَهُمَا الْمُزَنِيّ فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ نُصَّ عَلَيْهِمَا فِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ يَطْهُرُ وَقَالَ فِي حَرْمَلَةَ لَا يَطْهُرُ كَذَا قَالَ فِي التَّجْرِيدِ عَنْ حَرْمَلَةَ لَا يَطْهُرُ وَهُوَ خِلَافُ مَا نَقَلَ هُوَ فِي الْمَجْمُوعِ وَصَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَالْجُمْهُورُ عَنْ حَرْمَلَةَ أَنَّهُ يَطْهُرُ وَلَكِنْ ذَكَرْنَا عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَصَاحِبِ الشَّامِلِ أَنَّهُمَا نقلا عن حرملة نقل القولين فصحح نَقْلُهُ فِي التَّجْرِيدِ عَنْ حَرْمَلَةَ وَنَقْلُ الْأَصْحَابِ
* ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُصَنِّفُونَ فِي الْأَصَحِّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَفِي التَّنْبِيهِ وَشَيْخُهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمْ الطهارة وهو اختيار المزني والقاضي أبى حامد المروروذى وصحح الا كثرون أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ: وَهُوَ الْأَصَحُّ الْمُخْتَارُ مِمَّنْ صَحَّحَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ وَالْفُورَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَقَطَعَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ فِي الْكَافِي وَآخَرُونَ وَاحْتَجَّ لَهُ الْمُتَوَلِّي بِأَنَّهُ وَقَعَ الشَّكُّ فِي زَوَالِ التَّغَيُّرِ وَإِذَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي سَبَبِ الْإِبَاحَةِ لَمْ تَثْبُتْ الْإِبَاحَةُ كَمَا لَوْ رَأَى شَاةً مَذْبُوحَةً فِي مَوْضِعٍ فِيهِ مُسْلِمُونَ وَمَجُوسٌ وَشَكَّ هَلْ ذَبَحَهَا الْمَجُوسِيُّ أَوْ الْمُسْلِمُ لا تباح
* واعلم ان صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَكُونَ كَدِرًا وَلَا تَغَيُّرَ فِيهِ أَمَّا إذَا صَفَا فَلَا يَبْقَى خِلَافٌ بَلْ إنْ كَانَ التَّغَيُّرُ مَوْجُودًا فَنَجِسٌ قَطْعًا وَإِلَّا فَطَاهِرٌ قَطْعًا كَذَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ التَّغَيُّرُ بِالطَّعْمِ أَوْ اللَّوْنِ أَوْ الرَّائِحَةِ فَفِي الْجَمِيعِ القولان هذا هو الصوب: وقال الشيخ أبو عمر وبن الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللَّهُ عِنْدِي أَنَّ الْقَوْلَيْنِ إذَا تَغَيَّرَ بِالرَّائِحَةِ فَأَمَّا إذَا تَغَيَّرَ بِالطَّعْمِ أَوْ اللَّوْنِ فَلَا يَطْهُرُ قَطْعًا لِأَنَّهُ يَسْتَتِرُ بِالتُّرَابِ قَالَ وَهَذَا تَحْقِيقٌ لَوْ عُرِضَ عَلَى الْأَئِمَّةِ لَقَبِلُوهُ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَخِلَافُ مُقْتَضَى إطْلَاقِ مَنْ أَطْلَقَ مِنْهُمْ وَخِلَافُ تَصْرِيحِ الْبَاقِينَ فَقَدْ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ كِبَارِهِمْ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ إنْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ فَوَرَدَ عليه ماله لَوْنٌ كَالْخَلِّ فَأَزَالَ تَغَيُّرَهُ أَوْ تَغَيُّرَ رِيحِهِ فَوَرَدَ عَلَيْهِ مَا لَهُ رِيحٌ كَالْكَافُورِ فَأَزَالَهُ لَمْ يَطْهُرْ بِلَا خِلَافٍ قَالَ وَإِنْ طُرِحَ عَلَيْهِ مَا لَا رِيحَ لَهُ وَلَا لَوْنَ كَالتُّرَابِ وَغَيْرِهِ فَأَزَالَهُ فَقَوْلَانِ: وَقَالَ هُوَ فِي الْمَجْمُوعِ إذَا تَغَيَّرَ طَعْمُ الْمَاءِ أَوْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ نَجِسَ وَيَطْهُرُ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَخَامِسٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَذَكَرَ زَوَالَهُ بِنَفْسِهِ وَبِمَا يُضَافُ إلَيْهِ أَوْ يَنْبَعُ فِيهِ أَوْ يُؤْخَذُ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ أَنْ يَزُولَ بِالتُّرَابِ فَقَوْلَانِ ثُمَّ قَالَ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ متى تغير طعم الماء فورد عليه ماله طعم: أو ريحه فورد عليه ماله ريح: أو لونه فورد عليه ماله لَوْنٌ لَمْ يَطْهُرْ بِلَا خِلَافٍ: وَإِنْ وَرَدَ عَلَيْهِ مَا لَا طَعْمَ لَهُ وَلَا لَوْنَ وَلَا رِيحَ فَأَزَالَ تَغَيُّرَهُ فَهَلْ يَطْهُرُ فِيهِ قَوْلَانِ هَذَا كَلَامُ الْمَحَامِلِيِّ: وَقَالَ صَاحِبُ
التَّتِمَّةِ إنْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ فَطُرِحَ فِيهِ زَعْفَرَانٌ أَوْ رِيحُهُ فَطُرِحَ فِيهِ مِسْكٌ لَمْ يَطْهُرْ: وَإِنْ طُرِحَ تُرَابٌ فَهَلْ يَطْهُرُ قَبْلَ أَنْ يَصْفُوَ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يَطْهُرُ لِأَنَّ زَوَالَ لَوْنِ النَّجَاسَةِ لَمْ يَتَحَقَّقْ لِاحْتِمَالِ أَنَّ لَوْنَ التُّرَابِ غَلَبَهُ: وَقَالَ الْفُورَانِيُّ إذَا وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي مَاءٍ فَغَيَّرَتْ طَعْمَهُ أَوْ لَوْنَهُ أَوْ رِيحَهُ فَإِنْ زَالَ التَّغَيُّرُ بِزَعْفَرَانٍ لَمْ يَطْهُرْ: وَإِنْ زَالَ بِتُرَابٍ فَقَوْلَانِ الْأَصَحُّ لَا يَطْهُرُ لِأَنَّهُ يَسْتُرُ لَوْنَ النَّجَاسَةِ: وَقَالَ الرَّافِعِيُّ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ يَطْهُرُ لِأَنَّ التُّرَابَ لَا يَغْلِبُ عَلَى شئ مِنْ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ: وَالْأَصَحُّ لَا يَطْهُرُ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى هَذِهِ الْأَوْصَافِ إلَّا أَنَّهُ يُكَدِّرُ الْمَاءَ وَالْكُدُورَةُ سَبَبُ السَّتْرِ: قَالَ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ فِي مَسْأَلَةِ التُّرَابِ مَفْرُوضٌ فِي التَّغَيُّرِ بِالرَّائِحَةِ: فَأَمَّا اللَّوْنُ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ التُّرَابُ: قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالْأُصُولُ الْمُعْتَمَدَةُ سَاكِتَةٌ عَنْ هَذَا التَّفْصِيلِ: فَهَذَا الَّذِي ذكره هؤلاء مُصَرِّحٌ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَوْصَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَأَمَّا قَوْلُهُ وَإِنْ طُرِحَ فِيهِ تُرَابٌ أو جص ففيه قولان فكذا قاله الا كثرون: فَطَرَدُوا الْقَوْلَيْنِ فِي الْجِصِّ وَالنُّورَةِ الَّتِي لَمْ تُحْرَقْ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِغَالِبٍ لِصِفَةِ تَغَيُّرِ الْمَاءِ: وَقِيلَ الْقَوْلَانِ فِي التُّرَابِ فَقَطْ: وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يُؤَثِّرُ قَطْعًا  نَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمَا: وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ قَالَ الرُّويَانِيُّ وَقَدْ نَقَلَ الْمُزَنِيّ وَحَرْمَلَةُ النُّورَةَ صَرِيحًا: وَنَقَلَا فِيهَا الْقَوْلَيْنِ: وَيُقَالُ جِصٌّ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَالْكَسْرُ أَجْوَدُ: وَهِيَ أَعْجَمِيَّةٌ مُعَرَّبَةٌ: وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ قَالَ فِي الْأُمِّ وَقَالَ فِي حَرْمَلَةَ يَعْنِي قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ الْأُمِّ وَهُوَ الْكِتَابُ الْمَعْرُوفُ رَوَاهُ عَنْهُ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ (المجموع 1/133-135)
قال الامام النووي بعد ذكر الغات والاسماء
فَإِنْ قِيلَ إذَا زَالَ التَّغَيُّرُ بِالتُّرَابِ يَنْبَغِي أَنْ يُجْزَمَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ لِكَوْنِهِ مُتَغَيِّرًا بِتُرَابٍ مُتَنَجِّسٍ قُلْنَا هَذَا خَيَالٌ فَاسِدٌ لِأَنَّ نَجَاسَةَ التُّرَابِ نَجَاسَةٌ مُجَاوِرَةٌ لِلْمَاءِ النَّجِسِ فَإِذَا زَالَتْ نَجَاسَةُ الْمَاءِ طَهُرَ التراب والماء جميعا لان عينه طاهرة.

 و ان كان قلتين 

قال المصنف رحمه الله 

"وَإِنْ كَانَ قُلَّتَيْنِ طَهُرَ بِجَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ إلَّا بِأَخْذِ بَعْضِهِ فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ لِأَنَّهُ ينقص عن قلتين وفيه نجاسة"
 قال الامام النووي رحمه الله
 الشَّرْحُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيُقَالُ طهر بفتح الهاء وضمها والفتج أَفْصَحُ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَاَللَّهُ أعلم.
(المجموع 1/135)

تطهير الماء النجس

تطهير الماء النجس

قال المصنف رحمه الله
"إذَا أَرَادَ تَطْهِيرَ الْمَاءِ النَّجِسِ نُظِرَ فَإِنْ كَانَتْ نَجَاسَتُهُ بِالتَّغَيُّرِ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ قُلَّتَيْنِ طَهُرَ: بِأَنْ يَزُولَ التَّغَيُّرُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِأَنْ يُضَافَ إلَيْهِ مَاءٌ آخَرُ أَوْ بِأَنْ يُؤْخَذَ بعضه لان النجاسة بالتغير وقد زال"
الشرح:(قال الامام النووي رحمه الله) اذَا زَالَ تَغَيُّرُ الْمَاءِ النَّجِسِ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ قُلَّتَيْنِ نُظِرَ إنْ زَالَ بِإِضَافَةِ مَاءٍ آخَرَ إلَيْهِ طَهُرَ بِلَا خِلَافٍ سَوَاءٌ كَانَ الْمَاءُ الْمُضَافُ طَاهِرًا أَوْ نَجِسًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا وَسَوَاءٌ صُبَّ الْمَاءُ عَلَيْهِ أَوْ نَبَعَ عَلَيْهِ وَإِنْ زَالَ بِنَفْسِهِ أَيْ بِأَنْ لَمْ يَحْدُثْ فيه شيئا بَلْ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ الرِّيحِ أَوْ مُرُورِ الزَّمَانِ طَهُرَ أَيْضًا عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ: وَحَكَى الْمُتَوَلِّي عَنْ أَبِي سعيد الاصطخرى أنه لا يطهر لانه شئ نجس فلا يطهر بنفسه: وهذا ليس بشئ لِأَنَّ سَبَبَ النَّجَاسَةِ التَّغَيُّرُ: فَإِذَا زَالَ طَهُرَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجَسْ وَإِنْ زَالَ بِأَخْذِ بَعْضِهِ طَهُرَ بِلَا خِلَافٍ بِشَرْطٍ أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي بَعْدَ الْأَخْذِ قُلَّتَيْنِ: فَإِنْ بَقِيَ دُونَهُمَا لم يطهر بلا خلاف: ويتصور زوال تفسيره بِأَخْذِ بَعْضِهِ بِأَنْ يَكُونَ كَثِيرًا لَا يَدْخُلُهُ الرِّيحُ: فَإِذَا نَقَصَ دَخَلَتْهُ وَقَصَرَتْهُ وَكَذَلِكَ الشَّمْسُ فَيَطِيبُ: ثُمَّ إذَا زَالَ التَّغَيُّرُ وَحَكَمْنَا بِطَهَارَتِهِ ثُمَّ تَغَيَّرَ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى طَهَارَتِهِ وَلَا أَثَرَ لِتَغَيُّرِهِ لِأَنَّهُ مَاءٌ طَاهِرٌ تَغَيَّرَ بِغَيْرِ نجاسة لاقته فَكَانَ طَاهِرًا كَاَلَّذِي لَمْ يَنْجَسْ قَطُّ ذَكَرَهُ صاحب الحاوى وهو ظاهر لاخفاء به. والله أعلم (المجموع 1/132-133)

حكم المسئلة اذا مات الدود المتولد في الاطعمة والماء

حكم المسئلة اذا مات الدود المتولد في الاطعمة والماء

هَذَا الْخِلَافُ السَّابِقُ إنَّمَا هُوَ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ وَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ وَغَيْرِهَا بِمَوْتِ حَيَوَانٍ أَجْنَبِيٍّ عَنْهُ: أَمَّا الدُّودُ الْمُتَوَلِّدُ فِي الْأَطْعِمَةِ وَالْمَاءِ كَدُودِ التِّينِ وَالتُّفَّاحِ وَالْبَاقِلَّاءِ وَالْجُبْنِ وَالْخَلِّ وَغَيْرِهَا فَلَا يُنَجِّسُ مَا مَاتَ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ فِي كُلِّ الطُّرُقِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَيُنَجِّسُ هَذَا الْحَيَوَانُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَلَا يُنَجِّسُ عَلَى قَوْلٍ عِنْدَ القفال: وأما ما شذ به الدار مى فِي الِاسْتِذْكَارِ فَقَالَ قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فِي نَجَاسَةِ الْمَائِعِ بِهَذَا الْحَيَوَانِ خِلَافٌ فَغَلَطٌ لَا يُعَدُّ مِنْ الْمَذْهَبِ وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ فَالصَّوَابُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَهُوَ الْجَزْمُ بِطَهَارَتِهِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَإِنْ انْعَصَرَ هَذَا الْحَيَوَانُ فِيمَا يَجْرِي مِنْ تَصَرُّفٍ وَعَصْرٍ أَوْ اخْتَلَطَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَلَا مُبَالَاةَ بِهِ وَإِنْ جَمَعَ جَامِعٌ مِنْهُ شَيْئًا وَتَعَمَّدَ أَكْلَهُ مُنْفَرِدًا فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا تَحْرِيمُهُ لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ وَالثَّانِي يَحِلُّ لِأَنَّ دُودَ الْخَلِّ وَالْجُبْنِ كَجُزْءٍ مِنْهُ طَبْعًا وَطَعْمًا: قَالَ الْإِمَامُ فَإِنْ حَرَّمْنَاهُ عَادَ الْخِلَافُ فِي نَجَاسَتِهِ يَعْنِي خِلَافَ الْقَفَّالِ وَالْجُمْهُورِ: وَذَكَرَ غَيْرُ الْإِمَامِ فِي جَوَازِ أَكْلِ هَذَا الْحَيَوَانِ مَعَ مَا مَاتَ فِيهِ وَجْهَيْنِ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَجِيزِ لَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ مَعَ الطَّعَامِ عَلَى الْأَصَحِّ وَجَمَعَ الرَّافِعِيُّ هَذَا الْخِلَافَ فَقَالَ فِي جَوَازِ أَكْلِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا يَجُوزُ أَكْلُهُ مَعَ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ لَا مُنْفَرِدًا وَالثَّانِي يَجُوزُ مُطْلَقًا وَالثَّالِثُ يَحْرُمُ مُطْلَقًا: وَأَمَّا الذُّبَابُ وَسَائِرُ مَا لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ وَلَيْسَ مُتَوَلِّدًا مِمَّا مَاتَ فِيهِ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ قُلْنَا انه طاهر عند القفال لانه يمتة وَمُسْتَقْذَرٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ أُخْرِجَ هَذَا الْحَيَوَانُ مِمَّا مَاتَ فِيهِ وَأُلْقِيَ فِي مَائِعٍ غَيْرِهِ أُورِدَ إلَيْهِ فَهَلْ يُنَجِّسُهُ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي الحيوان الا جنبى وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ
مَا يَعِيشُ فِي الْبَحْرِ مِمَّا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ 
(فَرْعٌ)
مَا يَعِيشُ فِي الْبَحْرِ مِمَّا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ إنْ كَانَ مَأْكُولًا فَمَيْتَتُهُ طَاهِرَةٌ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ وَمَا لَا يُؤْكَلُ كَالضِّفْدَعِ وَكَذَا غَيْرُهُ إذَا قُلْنَا لَا يُؤْكَلُ فَإِذَا مَاتَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ أَوْ مَائِعٍ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ نَجَّسَهُ صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا في طرقهم وقالو لَا خِلَافَ فِيهِ إلَّا صَاحِبَ الْحَاوِي فَإِنَّهُ قَالَ فِي نَجَاسَتِهِ بِهِ قَوْلَانِ: وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّ فِي نَجَاسَتِهِ بِهِ خِلَافًا مَبْنِيًّا عَلَى حِلِّ أَكْلِهِ وَإِنْ أَرَادَ مَعَ تَحْرِيمِ أَكْلِهِ فَشَاذٌّ مَرْدُودٌ: وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ فِي الضِّفْدَعِ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ فَيَكُونُ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ بِهَا قَوْلَانِ وَالثَّانِي لَهَا نَفْسٌ سَائِلَةٌ فَتُنَجِّسُهُ قَطْعًا وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ وَجَعَلُوا الْمَسْأَلَةَ خِلَافِيَّةً فَحَكَوْا هُمْ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ ومحمد ابن الْحَسَنِ وَأَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ الضِّفْدَعَ لَا يُنَجِّسُ مَا مَاتَ فِيهِ وَكَذَلِكَ السَّرَطَانُ وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ يُنَجِّسُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

الْآدَمِيُّ الَّذِي لَا نَجَاسَةَ عَلَيْهِ
(فَرْعٌ)
الْآدَمِيُّ الَّذِي لَا نَجَاسَةَ عَلَيْهِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا إذَا مَاتَ فِي مَاءٍ دُونَ قُلَّتَيْنِ أَوْ فِي مَائِعٍ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ فَهَلْ يُنَجِّسُ مَا مات فِيهِ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى نَجَاسَتِهِ بِالْمَوْتِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُنَجِّسُ فَلَا يُنَجِّسُهُ 

 الْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ
(فَرْعٌ)
إذَا قُلْنَا بِالْقَوْلِ الضَّعِيفِ وَهُوَ أَنَّ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ يُنَجِّسُ مَا مَاتَ فِيهِ: فَالْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ مَا أَجَابَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْمَقْلِ الْمَوْتُ: فَإِنْ قِيلَ لَا يُؤْمَنُ الْمَوْتُ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الطَّعَامُ حَارًّا قُلْنَا لَا يَمْتَنِعُ أن يقصد مصلحة الشئ وان احتمل تلفه: كما يقصد بالفصد وَشُرْبِ الدَّوَاءِ الْمَصْلَحَةُ وَقَدْ يُفْضِي إلَى التَّلَفِ: فَإِنْ قِيلَ لَمْ يَنْهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِهِ عَلَى تَقْدِيرِ مَوْتِهِ: قلنا قدر تَقَرَّرَ نَجَاسَةُ الْمَيْتَةِ وَمَا مَاتَتْ فِيهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهِ فِي كُلِّ حَدِيثٍ: وَبِاَللَّهِ التوفيق.(المجموع 1/131-132)

مسائل النجاسة الميتة التي لا نفس لها سائلة

مسائل النجاسة الميتة التي لا نفس لها سائلة

قال المصنف رحمه الله
"وَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ مَيْتَةً لَا نَفْسَ لَهَا سائلة كالذباب والزنبور ما أَشْبَهَهُمَا فَفِيهِ قَوْلَانِ. 
 أَحَدُهُمَا أَنَّهَا كَغَيْرِهَا مِنْ الْمَيْتَاتِ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ لَا يُؤْكَلُ بَعْدَ مَوْتِهِ لَا لِحُرْمَتِهِ فَهُوَ كَالْحَيَوَانِ الَّذِي لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ. 
وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يُفْسِدُ الْمَاءَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَامْقُلُوهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ دَوَاءً وَقَدْ يَكُونُ الطَّعَامُ حَارًّا فَيَمُوتُ بِالْمَقْلِ فِيهِ فَلَوْ كَانَ يُفْسِدُهُ لَمَا أَمَرَ بِمَقْلِهِ لِيَكُونَ شِفَاءً لَنَا إذَا أَكَلْنَاهُ فَإِنْ كَثُرَ مِنْ ذَلِكَ مَا غَيَّرَ الْمَاءَ فَفِيهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَنْجَسُ لِأَنَّهُ مَاءٌ تَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ.
وَالثَّانِي لَا يَنْجَسُ لِأَنَّ مَا لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ إذَا وَقَعَ فِيهِ وَهُوَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ وَإِنْ تَغَيَّرَ بِهِ كَالسَّمَكِ والجراد"

الشَّرْحُ: (قال الامام النووي رحمه الله) هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الخ كلام النووي رحمه الله علي الحديث هنا
 وَقَوْلُهُ مَا لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ يَعْنِي مَا لَيْسَ لَهَا دَمٌ يَسِيلُ وَالنَّفْسُ الدَّمُ: وَيَجُوزُ فِي إعْرَابِ سَائِلَةٍ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ الْفَتْحُ بِلَا تَنْوِينٍ وَالنَّصْبُ وَالرَّفْعُ مَعَ التنوين فيهما والزنبور بضم الزاى.

قوله لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ لَا يُؤْكَلُ بَعْدَ مَوْتِهِ فِيهِ احْتِرَازٌ مِنْ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ.
وَقَوْلُهُ لَا لِحُرْمَتِهِ احْتِرَازٌ مِنْ الْآدَمِيِّ فَإِنَّهُ لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ بِمَيْتَتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ مَيْتَتِهِ وَسَنُوضِحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْمَيْتَةُ الَّتِي لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ هِيَ كَالذُّبَابِ وَالزُّنْبُورِ وَالنَّحْلِ وَالنَّمْلِ وَالْخُنْفُسَاءِ والبق والبعوض والصراصر والعقارب وَبَنَاتِ وَرْدَانِ وَالْقَمْلِ وَالْبَرَاغِيثِ وَأَشْبَاهِهَا: وَمِمَّنْ صَرَّحَ بالقمل والبراغيث الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَآخَرُونَ.
وَأَمَّا الْحَيَّةُ فَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِيهَا وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْقَاسِمِ الدَّارَكِيِّ وَصَاحِبِهِ الشيخ أبي حامد الاسفراينى لَهَا نَفْسٌ سَائِلَةٌ: وَالثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْفَيَّاضِ الْبَصْرِيِّ وَصَاحِبِهِ أَبِي الْقَاسِمِ الصَّيْمَرِيِّ لَيْسَ لَهَا نَفْسٌ سَائِلَةٌ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ: وَأَمَّا الْوَزَغُ فَقَطَعَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ: مِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ والبندنيجي والقاضى حُسَيْنٌ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُمْ وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ كَالْحَيَّةِ وَقَطَعَ الشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ بِأَنَّ لَهُ نَفْسًا سَائِلَةً قَالَ وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الطُّهُورِ وَأَنَّهُ قُتِلَ فَوُجِدَ فِي رَأْسِهِ دَمٌ: وَكَذَا رَأَيْتُ أَنَا فِي كِتَابِ الطُّهُورِ لِأَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ الْوَزَغَ وَالْحَيَّةَ لهما نفس سائلة ودم في رؤسهما: إذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ فَإِذَا مَاتَ مَا لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ فِي دُونَ الْقُلَّتَيْنِ مِنْ الْمَاءِ فَهَلْ يَنْجَسُ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ وَنَصَّ عَلَيْهِمَا الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ وَهَذِهِ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ ذَكَرَ فِي الْأُمِّ فِيهَا قَوْلَيْنِ : قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَذَكَرَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ قَوْلًا ثَالِثًا مُخَرَّجًا وَهُوَ أَنَّ مَا يَعُمْ لَا يُنَجِّسُهُ كَالذُّبَابِ وَالْبَعُوضِ وَنَحْوِهِمَا وَمَا لَا يَعُمْ كَالْخَنَافِسِ وَالْعَقَارِبِ وَالْجُعْلَانِ يُنَجِّسُهُ نَظَرًا إلَى تَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ وَعَدَمِهِ وَهَذَا الْقَوْلُ غَرِيبٌ وَالْمَشْهُورُ إطْلَاقُ قَوْلَيْنِ وَالصَّحِيحُ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ هَكَذَا صَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ وَقَطَعَ بِهِ أَبُو الْفَتْحِ سُلَيْمُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّازِيّ فِي كِتَابِهِ الْكِفَايَةِ وَصَاحِبُهُ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ الْكَافِي وَغَيْرُهُمَا وَشَذَّ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَالرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ  وَرَجَّحَا النَّجَاسَةَ وهذا ليس بشئ وَالصَّوَابُ الطَّهَارَةُ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ بَلْ نَسَبَ جَمَاعَةٌ الشَّافِعِيَّ إلَى خَرْقِ الْإِجْمَاعِ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ بِالنَّجَاسَةِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْأَشْرَافِ قَالَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَفْسُدُ الْمَاءُ بِمَوْتِ الذُّبَابِ وَالْخُنْفُسَاءِ وَنَحْوِهِمَا قَالَ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إلَّا أَحَدَ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَكَذَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْإِجْمَاعِ أَجْمَعُوا أَنَّ الْمَاءَ لَا يَنْجَسُ
بِذَلِكَ إلَّا أَحَدَ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ نَقَلَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّهُ قَالَ يَنْجَسُ الْمَاءُ بِمَوْتِ الْعَقْرَبِ فِيهِ وَنَقَلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَهَذَانِ إمامان من التابعين لم يَخْرِقْ الشَّافِعِيُّ الْإِجْمَاعَ: فَإِذَا قُلْنَا بِالصَّحِيحِ إنَّهُ لَا يَنْجَسُ الْمَاءُ فَلَوْ كَثُرَ هَذَا الْحَيَوَانُ فَغَيَّرَ الْمَاءَ فَهَلْ يُنَجِّسُهُ فِيهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَغَيْرُهُمْ هَذَانِ الوجهان حكاهما أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ  عَنْ أَبِيهِ وَالْأَصَحُّ مِنْهُمَا أَنَّهُ يُنَجِّسُهُ وَصَحَّحَهُ الشَّاشِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَقَطَعَ بِهِ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ وَابْنُ كَجٍّ فِي التَّجْرِيدِ لِأَنَّهُ ما تَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ: وَالْوَجْهَانِ جَارِيَانِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَاءُ الْمُتَغَيِّرُ بِهِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا: وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِجَرَيَانِهِمَا فِيمَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَأَشَارَ إلَى جَرَيَانِهِمَا أَيْضًا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَيَجْرِيَانِ فِي الطَّعَامِ الْمُتَغَيِّرِ بِهَذَا الْحَيَوَانِ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ فَإِنْ قُلْنَا لَا يَنْجَسُ الْمَاءُ الْمُتَغَيِّرُ بِهِ كَانَ طَاهِرًا غَيْرَ طَهُورٍ: قَالَ وَكَذَا مَا تَغَيَّرَ بِسَمَكٍ أَوْ جَرَادٍ يَكُونُ طَاهِرًا غَيْرَ مُطَهِّرٍ وَحَكَاهُ أَيْضًا عَنْ الصَّيْدَلَانِيِّ: وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يَكُونُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَالْمُتَغَيِّرِ بِوَرَقِ الشَّجَرِ يَعْنِي فَيَكُونُ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْوَرَقِ وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَقَلَّ مِنْ الْمُتَغَيِّرِ بِزَعْفَرَانٍ وَنَحْوِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
 (فَرْعٌ)
هَذَانِ الْقَوْلَانِ السَّابِقَانِ إنَّمَا هُمَا فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ بِمَوْتِ هَذَا الْحَيَوَانِ وَأَمَّا الْحَيَوَانُ نَفْسُهُ فَفِيهِ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ فِي نَجَاسَتِهِ الْقَوْلَيْنِ إنْ قُلْنَا نَجِسٌ نَجِسَ الْمَاءُ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا قَوْلُ الْقَفَّالِ وَالثَّانِي الْقَطْعُ بِنَجَاسَةِ الْحَيَوَانِ وَبِهَذَا قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَيْتَاتِ
* وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَنْجَسُ بِالْمَوْتِ.
دَلِيلُنَا أَنَّهُ مَيْتَةٌ وَإِنَّمَا لَا يَنْجَسُ الْمَاءُ لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ

 (فَرْعٌ)
الْقَوْلَانِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ بِمَوْتِهِ يَجْرِيَانِ فِي جَمِيعِ الْمَائِعَاتِ وَالْأَطْعِمَةِ صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَالصَّحِيحُ فِي الْجَمِيعِ الطَّهَارَةُ لِلْحَدِيثِ وَعُمُومِ الْبَلْوَى وَعُسْرِ الِاحْتِرَازِ.(المجموع 1/127-131)

جواب من قال "كَيْفَ يَجْتَمِعُ الدَّاءُ وَالشِّفَاءُ في جناحى الذبابة"

جواب من قال "كَيْفَ يَجْتَمِعُ الدَّاءُ وَالشِّفَاءُ في جناحى الذبابة"


رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَامْقُلُوهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ دَوَاءً

قال الامام النووي رحمه الله:

 هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَفِيهِ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لِيَنْزِعهُ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ وَزَادَ وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ فَلْيَغْمِسْهُ كُلُّهُ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ من رواية أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَيْضًا: وَمَعْنَى اُمْقُلُوهُ اغْمِسُوهُ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ

 قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ أَنَّ أَجْسَامَ الْحَيَوَانِ طَاهِرَةٌ إلَّا مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ مِنْ الْكَلْبِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ.

 قَالَ وَقَدْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بَعْضُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ: وَقَالَ كَيْفَ يَجْتَمِعُ الدَّاءُ وَالشِّفَاءُ في جناحى الذبابة وكيف تعلم ذلك حتي تقدم جَنَاحَ الدَّاءِ: قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَهَذَا سُؤَالُ جَاهِلٍ أَوْ مُتَجَاهِلٍ: وَأَنَّ الَّذِي يَجِدُ نَفْسَهُ وَنُفُوسَ عَامَّةِ الْحَيَوَانِ قَدْ جُمِعَ فِيهِ الْحَرَارَةُ وَالْبُرُودَةُ وَالرُّطُوبَةُ وَالْيُبُوسَةُ: وَهِيَ أَشْيَاءُ مُتَضَادَّةٌ إذَا تَلَاقَتْ تَفَاسَدَتْ.
ثُمَّ يَرَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَلَّفَ بَيْنَهَا وَجَعَلَهَا سَبَبًا لِبَقَاءِ الْحَيَوَانِ وَصَلَاحِهِ لَجَدِيرٌ أَنْ لَا يُنْكِرَ اجْتِمَاعَ الدَّاءِ وَالدَّوَاءِ في جزئين من حيوان واحد.
وان أَلْهَمَ النَّحْلَ اتِّخَاذَ ثَقْبٍ عَجِيبِ الصَّنْعَةِ وَتَعْسِلُ فِيهِ.
وَأَلْهَمَ النَّمْلَةَ كَسْبَ قُوتِهَا وَادِّخَارَهُ لِأَوَانِ حَاجَتِهَا إلَيْهِ هُوَ الَّذِي خَلَقَ الذُّبَابَةَ وَجَعَلَ لَهَا الْهِدَايَةَ إلَى أَنْ تُقَدِّمَ جَنَاحًا وَتُؤَخِّرَ آخَرَ لِمَا أَرَادَ مِنْ الِابْتِلَاءِ الَّذِي هُوَ مَدْرَجَةُ التَّعَبُّدِ وَالِامْتِحَانِ الَّذِي هُوَ مِضْمَارُ التَّكْلِيفِ. وفي كل شئ حِكْمَةٌ وَعِلْمٌ. (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (المجموع 1/128)

Tuesday, 27 September 2016

شيخ الاسلام العلامة ابو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله

شيخ الاسلام العلامة ابو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله


 يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حُسَيْن بن حزَام ابْن مُحَمَّد بن جُمُعَة النَّوَوِيّ الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة محيي الدّين أَبُو زَكَرِيَّا
شيخ الْإِسْلَام أستاذ الْمُتَأَخِّرين وَحجَّة الله على اللاحقين والداعي إِلَى سَبِيل السالفين
كَانَ يحيى رَحمَه الله سيدا وَحَصُورًا وليثا على النَّفس هصورا وزاهدا لم يبال بخراب الدُّنْيَا إِذا صير دينه ربعا معمورا لَهُ الزّهْد والقناعة ومتابعة السالفين من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة والمصابرة على أَنْوَاع الْخَيْر لَا يصرف سَاعَة فِي غير طَاعَة هَذَا مَعَ التفنن فِي أَصْنَاف الْعُلُوم فقها ومتون أَحَادِيث وَأَسْمَاء رجال ولغة وتصوفا وَغير ذَلِك
وَأَنا إِذا أردْت أَن أجمل تفاصيل فَضله وأدل الْخلق على مبلغ مِقْدَاره بمختصر القَوْل وفصله لم أَزْد على بَيْتَيْنِ أنشدنيهما من لَفظه لنَفسِهِ الشَّيْخ الإِمَام وَكَانَ من حَدِيثهمَا أَنه أَعنِي الْوَالِد رَحمَه الله لما سكن فِي قاعة دَار الحَدِيث الأشرفية فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة كَانَ يخرج فِي اللَّيْل إِلَى إيوانها ليتهجد تجاه الْأَثر الشريف ويمرغ وَجهه على الْبسَاط وَهَذَا الْبسَاط من زمَان الْأَشْرَف الْوَاقِف وَعَلِيهِ اسْمه وَكَانَ النَّوَوِيّ يجلس عَلَيْهِ وَقت الدَّرْس فأنشدني الْوَالِد لنَفسِهِ

وَفِي دَار الحَدِيث لطيف معنى ... على بسط لَهَا أصبو وآوي
عَسى أَنِّي أمس بَحر وَجْهي ... مَكَانا مَسّه قدم النواوي

ولادته:
ولد النَّوَوِيّ فِي الْمحرم سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة بنوى وَكَانَ أَبوهُ من أَهلهَا المستوطنين بهَا وَذكر أَبوهُ أَن الشَّيْخ كَانَ نَائِما إِلَى جنبه وَقد بلغ من الْعُمر سبع سِنِين لَيْلَة السَّابِع وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان فانتبه نَحْو نصف اللَّيْل وَقَالَ يَا أَبَت مَا هَذَا الضَّوْء الَّذِي مَلأ الدَّار فَاسْتَيْقَظَ الْأَهْل جَمِيعًا قَالَ فَلم نر كلنا شَيْئا قَالَ وَالِده فَعرفت أَنَّهَا لَيْلَة الْقدر
وَقَالَ شَيْخه فِي الطَّرِيقَة الشَّيْخ ياسين بن يُوسُف الزَّرْكَشِيّ رَأَيْت الشَّيْخ محيي الدّين وَهُوَ ابْن عشر سِنِين بنوى وَالصبيان يكرهونه على اللّعب مَعَهم وَهُوَ يهرب مِنْهُم ويبكي لإكراههم وَيقْرَأ الْقُرْآن فِي تِلْكَ الْحَال فَوَقع فِي قلبِي حبه وَجعله أَبوهُ فِي دكان فَجعل لَا يشْتَغل بِالْبيعِ وَالشِّرَاء عَن الْقُرْآن قَالَ فَأتيت الَّذِي يقرئه الْقُرْآن فوصيته بِهِ وَقلت لَهُ هَذَا الصَّبِي يُرْجَى أَن يكون أعلم أهل زَمَانه وأزهدهم وَينْتَفع النَّاس بِهِ فَقَالَ لي منجم أَنْت فَقلت لَا وَإِنَّمَا أنطقني الله بذلك فَذكر ذَلِك لوالده فحرص عَلَيْهِ إِلَى أَن ختم الْقُرْآن وَقد ناهز الِاحْتِلَام.

فصل
لَا يخفى على ذِي بَصِيرَة أَن لله تبَارك وَتَعَالَى عناية بالنووي وبمصنفاته، وأستدل على ذَلِك بِمَا يَقع فِي ضمنه فَوَائِد حَتَّى لَا تَخْلُو تَرْجَمته عَن الْفَوَائِد فَنَقُول
رُبمَا غير لفظا من أَلْفَاظ الرَّافِعِيّ إِذا تَأمله المتأمل استدركه عَلَيْهِ وَقَالَ لم يَفِ بالاختصار وَلَا جَاءَ بالمراد ثمَّ نجده عِنْد التنقيب قد وَافق الصَّوَاب ونطق بفصل الْخطاب وَمَا يكون من ذَلِك عَن قصد مِنْهُ لَا يعجب مِنْهُ فَإِن الْمُخْتَصر رُبمَا غير كَلَام من يختصر كَلَامه لمثل ذَلِك وَإِنَّمَا الْعجب من تَغْيِير يشْهد الْعقل بِأَنَّهُ لم يقْصد إِلَيْهِ ثمَّ وَقع فِيهِ على الصَّوَاب وَله أَمْثِلَة مِنْهَا
قَالَ الرَّافِعِيّ فِي كتاب الشَّهَادَات فِي فصل التَّوْبَة عَن الْمعاصِي الفعلية فِي التائب إِنَّه يختبر مُدَّة يغلب على الظَّن فِيهَا أَنه أصلح عمله وسريرته وَأَنه صَادِق فِي تَوْبَته وَهل تتقدر تِلْكَ الْمدَّة قَالَ قَائِلُونَ لَا إِنَّمَا الْمُعْتَبر حُصُول غَلَبَة الظَّن بصدقه وَيخْتَلف الْأَمر فِيهِ بالأشخاص وأمارات الصدْق هَذَا مَا اخْتَارَهُ الإِمَام والعبادي وَإِلَيْهِ أَشَارَ صَاحب الْكتاب بقوله حَتَّى يستبرىء مُدَّة فَيعلم إِلَى آخِره وَذهب آخَرُونَ إِلَى تقديرها وَفِيه وَجْهَان قَالَ أَكْثَرهم يستبرأ سنة انْتهى بِلَفْظِهِ
فَإِذا تَأَمَّلت قَوْله قَالَ أَكْثَرهم وجدت الضَّمِير فِيهِ مُسْتَحقّ الْعود على الآخرين الذاهبين إِلَى تقديرها لَا إِلَى مُطلق الْأَصْحَاب فَلَا يلْزم أَن يكون أَكثر الْأَصْحَاب على التَّقْدِير فضلا عَن التَّقْدِير بِسنة بل الْمُقدر بَعضهم وَاخْتلف المقدرون فِي الْمدَّة وَأَكْثَرهم على أَنَّهَا سنة فَهَذَا مَا يُعْطِيهِ لفظ الرَّافِعِيّ فِي الشَّرْح الْكَبِير وَصرح النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة بِأَن الْأَكْثَرين على تَقْدِير الْمدَّة بِسنة فَمن عَارض بَينهَا وَبَين الرَّافِعِيّ بتأمل قضى بمخالفتها لَهُ لِأَن عبارَة الشَّرْح لَا تَقْتَضِي أَن أَكثر الْأَصْحَاب على التَّقْدِير وَأَنه سنة بل إِن أَكثر المقدرين الَّذين هم من الْأَصْحَاب على ذَلِك ثمَّ يتأيد هَذَا القَاضِي بالمخالفة بِأَن عبارَة الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ لَيْسَ فِيهَا تَقْدِير بِسنة وَلَا بِسِتَّة أشهر وَإِنَّمَا قَالَ أشهر وَأطلق الْأَشْهر رضى الله عَنهُ اطلاقا إِلَّا أَن هَذَا إِذا عاود كتب الْمَذْهَب وجد الصَّوَاب مَا فعله النَّوَوِيّ فقد عزى التَّقْدِير وَأَن مِقْدَاره سنة إِلَى أَصْحَابنَا قاطبة فضلا عَن أَكْثَرهم الشَّيْخ أَبُو حَامِد الإسفرايني فِي تَعْلِيقه وَهَذِه عِبَارَته قَالَ الشَّافِعِي ويختبر مُدَّة أشهر ينْتَقل فِيهَا من السَّيئَة إِلَى الْحَسَنَة ويعف عَن الْمعاصِي وَقَالَ أَصْحَابنَا يختبر سنة انْتهى
وَكَذَلِكَ قَالَ القَاضِي الْحُسَيْن فِي تعليقته وَلَفظه قَالَ الشَّافِعِي مُدَّة من المدد قَالَ أَصْحَابنَا سنة انْتهى
وَكَذَلِكَ الْمَاوَرْدِيّ وَلَفظه وَصَلَاح عمله مُعْتَبر بِزَمَان اخْتلف الْفُقَهَاء فِي حَده فاعتبره بَعضهم بِسِتَّة أشهر واعتبره أَصْحَابنَا بِسنة كَامِلَة انْتهى
وَكَذَلِكَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمُهَذّب وَقدر أَصْحَابنَا الْمدَّة بِسنة
وَكَذَلِكَ الْبَغَوِيّ فِي التَّهْذِيب وجماعات كلهم عزوا التَّقْدِير بِالسنةِ إِلَى الْأَصْحَاب فضلا عَن أَكْثَرهم وَلم يقل بعض الْأَصْحَاب إِلَّا القَاضِي أَبُو الطّيب وَالْإِمَام وَمن تبعهما فَإِنَّهُم قَالُوا قَالَ بعض أَصْحَابنَا تقدر بِسنة وَقَالَ بَعضهم زَاد الإِمَام أَن الْمُحَقِّقين على عدم التَّقْدِير وَمن تَأمل مَا نَقَلْنَاهُ أَيقَن بِأَن الْأَكْثَرين على التَّقْدِير بِسنة وَبِه صرح الرَّافِعِيّ فِي الْمُحَرر ولوح إِلَيْهِ تَلْوِيحًا فِي الشَّرْح الصَّغِير فَظهر حسن صنع النَّوَوِيّ وَإِن لم يَقْصِدهُ عناية من الله تَعَالَى بِهِ. (طبقات الشافعية الكبرى للسبكي، الطبقة السادسة 1288)