Friday, 10 February 2017

مقدمة خلاصة الأحكام للنووي

بسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

 مقدمة خلاصة الأحكام للنووي

قَالَ الشَّيْخ الْعَلامَة الْعَالم الْعَامِل الْوَرع الزَّاهِد الْحَافِظ محيي الدَّين أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بن شرف بن مري بن حسن بن حُسَيْن بن مُحَمَّد بن حزَام النَّوَوِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
الْحَمد لله رب الْعَالمين وصلواته وَسَلَامه عَلَى سيدنَا مُحَمَّد خِيَار خلقه وَعَلَى سَائِر النَّبِيين وَآل كل وَسَائِر الصَّالِحين، وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وزاده فضلا وشرفا لَدَيْهِ.
أما بعد. .
فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لكل أحد أَن يتخلق بأخلاق رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويقتدي بأقواله وأفعاله وَتَقْرِيره فِي الْأَحْكَام والآداب وَسَائِر معالم الْإِسْلَام وَأَن يعْتَمد فِي ذَلِك مَا صَحَّ ويجتنب مَا ضعف وَلَا يغتر بمخالفي السّنَن الصَّحِيحَة وَلَا يُقَلّد معتمدي الْأَحَادِيث الضعيفة فَإِن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ: (وَمَا أَتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا) ، وَقَالَ تَعَالَى (لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة) وَقَالَ تَعَالَى (قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله وَيغْفر لكم ذنوبكم) .
فَهَذِهِ الْآيَات وَمَا فِي معناهن حث عَلَى اتِّبَاعه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ونهانا عَن الابتداع والاختراع، وأمرنا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عِنْد التَّنَازُع بِالرُّجُوعِ إِلَى الله وَالرَّسُول أَي الْكتاب وَالسّنة، وَهَذَا كُله فِي سنة صحت، أما مَا لم تصح فَكيف تكون سنة، وَكَيف يحكم عَلَى رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَنه قَالَه أَو فعله من غير مسوغ لذَلِك، وَلَا تغترن بِكَثْرَة المتساهلين فِي الْعَمَل، والاحتجاج فِي الْأَحْكَام بالأحاديث الضعيفة وَإِن كَانُوا مصنفين وأئمة فِي الْفِقْه وَغَيره، وَقد أَكْثرُوا من ذَلِك فِي كتبهمْ، وَلَو سئلوا عَن ذَلِك لأجابوا بِأَنَّهُ لَا يعْتَمد فِي ذَلِك الضَّعِيف، وَإِنَّمَا أَبَاحَ الْعلمَاء الْعَمَل بالضعيف فِي الْقَصَص وفضائل الْأَعْمَال الَّتِي لَيست فِيهَا مُخَالفَة لما تقرر فِي أصُول الشَّرْع مثل فضل التَّسْبِيح، وَسَائِر الْأَذْكَار، والحث عَلَى مَكَارِم الْأَخْلَاق، والزهد فِي الدُّنْيَا وَغير ذَلِك مِمَّا أُصُوله مَعْلُومَة مقررة.
وَقد استخرت الله الْكَرِيم الرءوف الرَّحِيم فِي جمع مُخْتَصر فِي الْأَحْكَام اعْتمد فِيهِ الصَّحِيح وَالْحسن وأفرد الضَّعِيف فِي أَوَاخِر الْأَبْوَاب تَنْبِيها عَلَى ضعفه لِئَلَّا يغتر بِهِ، وَاذْكُر فِيهِ إِن شَاءَ الله جملا متكاثرة هِيَ أصُول قَوَاعِد الْأَحْكَام وأضيفها إِلَى الْكتب الْمَشْهُورَة مُصَرحًا بِصِحَّتِهَا وحسنها، وأنبه عَلَى بعض خَفِي مَعَانِيهَا وَضبط لَفظهَا، فَمَا كَانَ فِي صحيحي البُخَارِيّ وَمُسلم أَو أَحدهمَا اقتصرت عَلَى إِضَافَته إِلَيْهِمَا أَو إِلَيْهِ لحُصُول الْمَقْصُود وَهُوَ بَيَان صِحَّته، فَإِنَّهُمَا صَحِيحَانِ بِإِجْمَاع الْمُسلمين، وَمَا كَانَ فِي غَيرهمَا ذكرت جمَاعَة مِمَّن رَوَاهُ من الْمَشْهُورين كَأبي دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالْحَاكِم، وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهم من أَعْلَام الْحفاظ المصنفين، فَمَا كَانَ فِي صحيحي البُخَارِيّ وَمُسلم رحمهمَا الله قلت فِي آخِره: مُتَّفق عَلَيْهِ، فَإِن أتفق لَفْظهمَا اقتصرت عَلَى " مُتَّفق عَلَيْهِ " وَإِلَّا قلت: لَفظه لفُلَان، وَإِن زَاد أَحدهمَا أَو غَيرهمَا زِيَادَة فِيهِ نبهت عَلَيْهَا.
وَمَا اتّفق عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ قلت فِي آخِره: " رَوَاهُ الثَّلَاثَة " وَمَا سُوَى هَذَا أصرح بإضافته.
وَاعْلَم أَن سنَن أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِيهَا الصَّحِيح والضعيف، لَكِن ضعفها يسير، وَلِهَذَا قَالَ الْأَئِمَّة: أصُول الْإِسْلَام من كتب الحَدِيث خَمْسَة الصحيحان، وَهَذِه الثَّلَاثَة، وَلَا يخرج عَن هَذِه الْخَمْسَة من الصَّحِيح وَالْحسن إِلَّا قَلِيل،
وَقد صرح التِّرْمِذِيّ فِي أَكثر كتبه بِبَيَان الصَّحِيح، وَالْحسن، والضعيف، وأهمل بَيَان جمل مِنْهُ،
وَقَالَ أَبُو دَاوُد: " جمعت فِي كتابي هَذَا الصَّحِيح وَمَا يُشبههُ ويقاربه، وَمَا كَانَ فِيهِ ضعف شَدِيد بَينته، وَمَا لم أذكر فِيهِ شَيْئا فَهُوَ صَالح، وَبَعضهَا أصح من بعض ". هَذَا لَفظه، وَمُقْتَضَاهُ أَن مَا أطلقهُ أَبُو دَاوُد فَهُوَ صَحِيح أَو حسن يحْتَج بِهِ، إِلَّا أَن يظْهر فِيهِ مَا يَقْتَضِي ضعفه.
وَقد التزمت فِي هَذَا الْمُخْتَصر أَن لَا أهمل بَيَان شَيْء من الْأَحَادِيث فِي الصِّحَّة وَالْحسن والضعف. وَالْحسن كَالصَّحِيحِ فِي جَوَاز الِاحْتِجَاج بِهِ فِي الْأَحْكَام، وَإِن كَانَ دونه، وَأما الضَّعِيف فأنبه عَلَيْهِ مُخْتَصرا جدا.
وَعَلَى الله الْكَرِيم اعتمادي وَإِلَيْهِ تفويضي واستنادي، حسبي الله وَنعم الْوَكِيل، لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعَزِيز الْحَكِيم.
عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي حَفْص عمر بن الْخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يَقُول: " إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لامرئ مَا نَوى، فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله،، فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله، وَمن كَانَت هجرته إِلَى دنيا يُصِيبهَا أَو امْرَأَة ينْكِحهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ " مُتَّفق عَلَيْهِ.
رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي سَبْعَة مَوَاضِع، وَمُسلم فِي ": الْجِهَاد ". (مقدمة خلاصة الأحكام للنووي)


Wednesday, 8 February 2017

مولد الشافعي رضي الله عنه ووفاته وذكر نبذ من أموره وحالاته

مولد الشافعي رضي الله عنه ووفاته وذكر نبذ من أموره وحالاته

قال الامام النووي رحمه الله تعالى:
وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ وَهِيَ السَّنَةُ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقِيلَ إنَّهُ تُوُفِّيَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ الشَّافِعِيُّ وَلَمْ يَثْبُتْ التَّقْيِيدُ بِالْيَوْمِ.
ثُمَّ الْمَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ وُلِدَ بِغَزَّةَ وَقِيلَ بِعَسْقَلَانَ وَهُمَا مِنْ الْأَرَاضِي الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا فَإِنَّهُمَا عَلَى نَحْوِ مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ حُمِلَ إلَى مَكَّةَ وَهُوَ ابْنُ سَنَتَيْنِ وَتُوُفِّيَ بِمِصْرَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً.
قَالَ الرَّبِيعُ: تُوُفِّيَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَأَنَا عِنْدَهُ وَدُفِنَ بَعْدَ الْعَصْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ وَقَبْرُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمِصْرَ عَلَيْهِ مِنْ الْجَلَالَةِ وَلَهُ مِنْ الِاحْتِرَامِ مَا هُوَ لَائِقٌ بِمَنْصِبِ ذَلِكَ الْإِمَامِ.
قَالَ الرَّبِيعُ: رَأَيْت فِي الْمَنَامِ أَنَّ آدَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ فَسَأَلْت عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ هَذَا مَوْتُ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا فَمَا كان الا يسيرا فمات الشَّافِعِيُّ وَرَأَى غَيْرُهُ لَيْلَةَ مَاتَ الشَّافِعِيُّ قَائِلًا يَقُولُ اللَّيْلَةَ مَاتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم.
نشأ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أُمِّهِ فِي قِلَّةٍ مِنْ الْعَيْشِ وَضِيقِ حَالٍ وَكَانَ فِي صِبَاهُ يُجَالِسُ الْعُلَمَاءَ وَيَكْتُبُ مَا يَسْتَفِيدُهُ فِي الْعِظَامِ وَنَحْوِهَا حَتَّى مَلَأَ مِنْهَا خَبَايَا.
وَعَنْ مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ قَالَ: كَانَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ الله في ابتدأ أَمْرِهِ يَطْلُبُ الشِّعْرَ وَأَيَّامَ الْعَرَبِ وَالْأَدَبَ ثُمَّ أَخَذَ فِي الْفِقْهِ بَعْدُ. قَالَ وَكَانَ سَبَبُ أَخْذِهِ فِي الْعِلْمِ أَنَّهُ كَانَ يَوْمًا يَسِيرُ عَلَى دَابَّةٍ لَهُ وَخَلْفَهُ كَاتِبٌ لِأَبِي فَتَمَثَّلَ الشافعي بِبَيْتِ شِعْرٍ فَقَرَعَهُ كَاتِبُ أَبِي بِسَوْطِهِ ثُمَّ قال له مثلك يذهب بمرؤته فِي مِثْلِ هَذَا أَيْنَ أَنْتَ مِنْ الْفِقْهِ فَهَزَّهُ ذَلِكَ فَقَصَدَ مُجَالَسَةَ الزِّنْجِيِّ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ وَكَانَ مُفْتِي مَكَّةَ ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْنَا فَلَزِمَ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ.
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَنْظُرُ فِي الشِّعْرِ فَارْتَقَيْتُ عَقَبَةً بِمِنًى فَإِذَا صَوْتٌ مِنْ خَلْفِي عَلَيْكَ بِالْفِقْهِ، وَعَنْ الْحُمَيْدِيِّ قَالَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: خَرَجْت أَطْلُبُ النَّحْوَ وَالْأَدَبَ فَلَقِيَنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزنجي فقال يافتى مِنْ أَيْنَ أَنْتَ قُلْتُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَالَ أَيْنَ مَنْزِلُكَ قُلْتُ شِعْبٌ بِالْخَيْفِ قَالَ مِنْ أَيِّ قَبِيلَةٍ أَنْتَ قُلْتُ مِنْ عَبْدِ مَنَافٍ قَالَ بَخٍ بَخٍ لَقَدْ شَرَّفَكَ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَلَا جَعَلْتَ فَهْمَكَ فِي هَذَا الْفِقْهِ فَكَانَ أَحْسَنَ بِك، ثُمَّ رَحَلَ الشَّافِعِيُّ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ قَاصِدًا الْأَخْذَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَفِي رِحْلَتِهِ مُصَنِّفٌ مَشْهُورٌ مَسْمُوعٌ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ قَرَأَ عَلَيْهِ الْمُوَطَّأَ حِفْظًا فَأَعْجَبَتْهُ قِرَاءَتُهُ وَلَازَمَهُ، وَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: اتَّقِ اللَّهَ وَاجْتَنِبْ الْمَعَاصِيَ فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لَكَ شَأْنٌ. وفي رواية أخرى أنه قال له انه اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَلْقَى عَلَى قَلْبِكَ نُورًا فَلَا تُطْفِهِ بِالْمَعَاصِي. وَكَانَ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ حِينَ أَتَى مَالِكًا ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً ثم ولى باليمن. وَاشْتُهِرَ مِنْ حُسْنِ سِيرَتِهِ وَحَمْلِهِ النَّاسَ عَلَى السُّنَّةِ وَالطَّرَائِقِ الْجَمِيلَةِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مَعْرُوفَةٍ.
ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ وَأَخَذَ فِي الِاشْتِغَالِ بِالْعُلُومِ وَرَحَلَ إلَى الْعِرَاقِ وَنَاظَرَ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ وَغَيْرَهُ وَنَشَرَ عِلْمَ الْحَدِيثِ وَمَذْهَبَ أَهْلِهِ وَنَصَرَ السُّنَّةَ وَشَاعَ ذِكْرُهُ وَفَضْلُهُ وَطَلَبَ مِنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ إمَامُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي عَصْرِهِ أَنْ يُصَنِّفَ كِتَابًا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فَصَنَّفَ كِتَابَ الرِّسَالَةِ وَهُوَ أَوَّلُ كِتَابٍ صُنِّفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَيَحْيَى بْنُ سعيد الْقَطَّانُ يُعْجَبَانِ بِهِ، وَكَانَ الْقَطَّانُ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَدْعُوَانِ لِلشَّافِعِيِّ فِي صَلَاتِهِمَا وَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى اسْتِحْسَانِ رِسَالَتِهِ وَأَقْوَالُهُمْ فِي ذَلِكَ مَشْهُورَةٌ. وقال المزني قرأت الرسالة خمس مائة مرة مامن مَرَّةٍ إلَّا وَاسْتَفَدْتُ مِنْهَا فَائِدَةً جَدِيدَةً، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَالَ أَنَا أَنْظُرُ فِي الرِّسَالَةِ مِنْ خَمْسِينَ سَنَةٍ مَا أَعْلَمُ أَنِّي نَظَرْتُ فِيهَا مَرَّةً إلَّا وَاسْتَفَدْتُ شَيْئًا لَمْ أَكُنْ عَرَفْتُهُ، وَاشْتَهَرَتْ جَلَالَةُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْعِرَاقِ وَسَارَ ذِكْرُهُ فِي الْآفَاقِ وَأَذْعَنَ بِفَضْلِهِ الْمُوَافِقُونَ وَالْمُخَالِفُونَ.
* وَاعْتَرَفَ بِذَلِكَ الْعُلَمَاءُ أَجْمَعُونَ وَعَظُمَتْ عِنْدَ الْخُلَفَاءِ وَوُلَاةِ الْأُمُورِ مَرْتَبَتُهُ وَاسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُمْ جَلَالَتُهُ وَإِمَامَتُهُ وَظَهَرَ مِنْ فَضْلِهِ فِي مُنَاظَرَاتِهِ أَهْلَ الْعِرَاقِ وَغَيْرَهُمْ مَا لَمْ يَظْهَرْ لِغَيْرِهِ. وَأَظْهَرَ مِنْ بَيَانِ الْقَوَاعِدِ وَمُهِمَّاتِ الْأُصُولِ مَا لا يعرف لسواه، وامتحن في مواطن ما لَا يُحْصَى مِنْ الْمَسَائِلِ فَكَانَ جَوَابُهُ فِيهَا مِنْ الصَّوَابِ وَالسَّدَادِ بِالْمَحِلِّ الْأَعْلَى وَالْمَقَامِ الْأَسْمَى، وَعَكَفَ عَلَيْهِ لِلِاسْتِفَادَةِ مِنْهُ الصِّغَارُ وَالْكِبَارُ وَالْأَئِمَّةُ والاحبار مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِهِمْ.
وَرَجَعَ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ عَنْ مَذَاهِبَ كَانُوا عَلَيْهَا إلَى مَذْهَبِهِ وَتَمَسَّكُوا بِطَرِيقَتِهِ كَأَبِي ثَوْرٍ وَخَلَائِقَ لَا يُحْصَوْنَ
وَتَرَكَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ الْأَخْذَ عَنْ شُيُوخِهِمْ وَكِبَارِ الائمة لانقاطاعهم إلَى الشَّافِعِيِّ لَمَّا رَأَوْا عِنْدَهُ مَا لَا يَجِدُونَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ. وَبَارَكَ اللَّهُ الْكَرِيمُ لَهُ وَلَهُمْ فِي تِلْكَ الْعُلُومِ الْبَاهِرَةِ وَالْمَحَاسِنِ الْمُتَظَاهِرَةِ وَالْخَيْرَاتِ الْمُتَكَاثِرَةِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى سَائِرِ نِعَمِهِ الَّتِي لَا تُحْصَى.
وَصَنَّفَ فِي الْعِرَاقِ كِتَابَهُ الْقَدِيمِ وَيُسَمَّى كِتَابَ الْحُجَّةِ وَيَرْوِيهِ عَنْهُ أَرْبَعَةٌ مِنْ جُلَّةِ أَصْحَابِهِ وَهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالزَّعْفَرَانِيّ وَالْكَرَابِيسِيُّ ثُمَّ خَرَجَ إلَى مِصْرَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ.
قال أبو عبد الله حرملة بن يحي: قدم علينا الشافعي سنة تسع وتسعين. وَقَالَ الرَّبِيعُ سَنَةَ مِائَتَيْنِ وَلَعَلَّهُ قَدِمَ فِي آخِرِ سَنَةِ تِسْعٍ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ. وَصَنَّفَ كُتُبَهُ الْجَدِيدَةَ كُلَّهَا بِمِصْرَ وَسَارَ ذِكْرُهُ فِي البلدان وقصده الناس من الشام والعراق واليمين وَسَائِرِ النَّوَاحِي لِلْأَخْذِ عَنْهُ وَسَمَاعِ كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ وَأَخْذِهَا عَنْهُ وَسَادَ أَهْلَ مِصْرَ وَغَيْرَهُمْ وَابْتَكَرَ كُتُبًا لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهَا مِنْهَا أُصُولُ الْفِقْهِ.
وَمِنْهَا كِتَابُ الْقَسَامَةِ. وَكِتَابُ الْجِزْيَةِ وَقِتَالُ أَهْلِ الْبَغْيِ وَغَيْرُهَا.
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الرَّازِيّ فِي كتابه مناقب الشافعي: سمعت ابا عمر واحمد بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيَّ قَالَ سَمِعْتُ محمد بن حمدان بن سفيان الطرايفي الْبَغْدَادِيَّ يَقُولُ حَضَرْتُ الرَّبِيعَ بْنَ سُلَيْمَانَ يَوْمًا وَقَدْ حَطَّ عَلَى بَابِ دَارِهِ سَبْعُمِائَةِ رَاحِلَةٍ فِي سَمَاعِ كُتُبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. (المجموع شرح المهذب 1/8،9)