Monday, 26 September 2016

الماء الكثير عند الامام مالك

الماء الكثير عند الامام مالك

وَأَمَّا مَالِكٌ وَمُوَافِقُوهُ فَاحْتُجَّ لَهُمْ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَاءُ طَهُورٌ لَا ينجسه شئ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْقُلَّتَيْنِ وَعَلَى مَا إذَا وَرَدَ الْمَاءُ عَلَى النَّجَاسَةِ: وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا عَلَيْهِمْ بِحَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ وَقَدْ وَافَقَنَا مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عليه وسلم قال إذا استيقظ أحدكم من منامه فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فَنَهَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ غَمْسِ يَدِهِ وَعَلَّلَهُ بِخَشْيَةِ النَّجَاسَةِ وَيُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ النَّجَاسَةَ الَّتِي قَدْ تَكُونُ عَلَى يَدِهِ وَتَخْفَى عَلَيْهِ لَا تُغَيِّرُ الْمَاءَ فَلَوْلَا تَنْجِيسُهُ بِحُلُولِ نَجَاسَةٍ لَمْ تُغَيِّرْهُ لَمْ يَنْهَهُ: وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ " فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ "
فَالْأَمْرُ بِالْإِرَاقَةِ وَالْغَسْلِ دَلِيلُ النَّجَاسَةِ: وَبِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ فجاءت هرة فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ فَشَرِبَتْ فَتُعُجِّبَ مِنْهُ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عليكم أو الطوافات حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ: وَفِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ أَنَّ النَّجَاسَةَ إذَا وَرَدَتْ عَلَى الْمَاءِ نَجَّسَتْهُ: وَاحْتَجُّوا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَمِنْ حَيْثُ الِاسْتِدْلَالِ مَا سَبَقَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّ النَّجَاسَةَ الَّتِي يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا يُعْفَى عَنْهَا وَمَا لَا فَلَا وَهَذَا يَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَضَبَطَ الشَّرْعُ بِقُلَّتَيْنِ: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلِأَنَّهُ لَا يَشُكُّ مُنْصِفٌ أَنَّ السَّلَفَ لَوْ رَأَوْا رَطْلَ مَاءٍ أَصَابَهُ قَطَرَاتُ بَوْلٍ أَوْ خَمْرٍ لَمْ يُجِيزُوا الْوُضُوءَ بِهِ: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ فَهُوَ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى قُلَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ فَإِنَّهُ عَامٌّ وَخَبَرُنَا خَاصٌّ فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ: وَالْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى مَا إذَا وَرَدَ الْمَاءُ عَلَى النَّجَاسَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مِنْ حَيْثُ النَّصِّ وَهُوَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ فِي حَدِيثَيْنِ أَحَدُهُمَا حَدِيثُ إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ فَمَنَعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إيرَادِ الْيَدِ عَلَى الْمَاءِ وَأَمَرَ بِإِيرَادِهِ عَلَيْهَا فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا: وَالثَّانِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِإِرَاقَةِ مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ لِوُرُودِ النَّجَاسَةِ وَأَمَرَ بِإِيرَادِ الْمَاءِ عَلَى الْإِنَاءِ: فَإِنْ قَالُوا الْكَلْبُ طَاهِرٌ عِنْدَنَا قُلْنَا سَنُوَضِّحُ الدَّلَائِلَ عَلَى نَجَاسَتِهِ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَالْجَوَابُ الثَّانِي مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّا إذَا نَجَّسْنَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ بِوُرُودِ النَّجَاسَةِ لَمْ يَشُقَّ لِإِمْكَانِ الِاحْتِرَازِ مِنْهَا ولو نجسنا دون القلتين بوروده على نَجَاسَةً لَشَقَّ وَأَدَّى إلَى أَنْ لَا يَطْهُرَ شي حَتَّى يُغْمَسَ فِي قُلَّتَيْنِ وَفِي ذَلِكَ أَشَدُّ الْحَرَجِ فَسَقَطَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (المجموع 1/117-118)

No comments:

Post a Comment